الثلاثاء 22 يناير 2008

حكومة الأغلبية البرلمانية!

د. حسن عبدالله جوهر

عندما نؤكد بأن النظام السياسي الكويتي في إطاريه الدستوري والعملي فريد من نوعه على مستوى ديمقراطيات العالم على مدى التاريخ حتى يومنا الحاضر، فأن هذا التشخيص لا ينبع من فراغ أو أنه مجرد رأي أو تعبير عن موقف سياسي.

ففي الكويت فقط يتم تعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء بمرسوم ويؤدون اليمين الدستورية أمام سمو الأمير قبل دخولهم قاعة البرلمان، بينما في جميع النظم البرلمانية يجب أن يحصل الوزير على ثقة المجلس قبل تعيينه في المنصب، وفي حالة الأنظمة الرئاسية فأن الوزراء لا يشاركون أصلاً بنشاط البرلمان بل ليست لهم مقاعد فيه.

وعلى الرغم من صحة الجانب الدستوري إلا أن هذا الوضع لم يعد يتحمل الكلفة السياسية في ظل المعطيات الراهنة على الساحة العامة، فرغم نجاح الحكومات تاريخياً في تحقيق أغلبية برلمانية من خلال إرضاء مجموعة من النواب عبر بوابة الخدمات وضمان مشاريعهم التجارية ودعمهم انتخابياً بالمال السياسي وغيره في مقابل تحمل شوكة المعارضة باعتبارها خطاً ثابتاً لتسجيل الموقف السياسي لا أكثر، إلا أن هذا النهج لم يعد بتلك البساطة والسذاجة التقليدية.

ففي ظل التوسع التنوع السياسي والتبدل الدائم للمواقف والرصد الشعبي الضاغط باتجاهات مختلفة لم تعد ترضيات الحكومة مغرية أو حتى مرضية، والنائب الواحد لم يعد يقتنع بوظيفة قيادية واحدة في ظل تجفيف منابع الخدمات بسبب قوانين وقرارات التوظيف والرعاية السكنية والعلاج بالخارج، بل الأكثر من ذلك فأن المصالح الفئوية باتت تتقاطع وتقطع معها الكتل النيابة نفسها.

وحالة التصويت على طرح الثقة بوزيرة التربية تعكس مثل هذه المعادلة الصعبة والحسابات المتناقضة وحيرة الحكومة في شراء الترضيات المتناقضة لضمان الرقم المطلوب لإنقاذ وزيرتها، بل أن الوزيرة نفسها وتحت هاجس الاحتفاظ بكرسي الوزارة لا يمكن أن تسدد فواتير متباينة أو أن تجمع بين المتناقضات لإرضاء توجهات عامة مثل تطبيق منع الاختلاط أو من خلال بعض التعيينات القيادية المفروزة سياسياً على حساب أجندة تكتل نيابي شكل لها خط الدفاع الأول.

فالأخطاء القاتلة للوزراء قد ترتكب قبل الاستجوابات أو أثنائها أو بعد تطورها إلى طرح الثقة من أجل ضمان المنصب وخاصة في ظل محاولة جمع المتناقضات وحشد أكبر كتلة نيابية للإرضاء الجماعي المتنوع والمتناقض، وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً ويزرع بذور الفرقة والاختلاف بل يترك العنان للفساد الإداري القائم ويعززه بصور جديدة لهذا الفساد في سبيل العبور من عنق زجاجة المحاسبة السياسية على حساب تركة ثقيلة في المستقبل.

ولذلك فأن رهان الحكومة على تحقيق الأغلبية البرلمانية المسبقة ورغم تنوع الآراء فيها قد تكون أقل كلفة وتوازناً سياسياً وضماناً لاستمرارها في العمر الافتراضي خاصة في ظل تطبيق التدقيق الداخلي والرقابة الذاتية المتبادلة Check and Balance بين وزرائها، بل أن مثل هذا النهج الجديد من شأنه أن ينقلنا إلى مرحلة سياسية أكثر نضجاً بدلاً من الاستمرار في نهج السداد السياسي بالأقساط لكل حادث وموقف والذي يكون غالباً على حساب الأداء العام والأغلبية الصامتة العاملة بهدوء!!!