حلب!

20 ديسمبر 2016

د. حسن عبدالله جوهر

صورة واحدة قد تكفي أحياناً لتلخيص ما تسطره آلاف الأقلام ومئات التحليلات وعشرات المناظرات المتناحرة حول قضية واحدة، ولعل القضية الأولى التي تشغل عقول وقلوب وجوارح الملايين من البشر حول العالم هي “حلب”.

الصورة لطفلة صغيرة بشعر أشعت تكسوها ثياب رثة بوجه اختطفه الذهول والرعب، يحملها رجل يفترض أنه جاء لإنقاذها في مكان تبدو عليه آثار الحرب والدمار، وقد اعتلت هذه الصورة كلمة “حلب”، ونفس هذه الصورة وبكل تفاصيلها تتكرر في نسخة ثانية باختلاف الرجل المنقذ وقد كتب عليها “الموصل”، وأيضاً ذات الصورة تتكرر في نسخة أخرى كما هي ولكن بمنقذ ثالث وقد كتب عليها “اليمن”!

من حيث يعلم أو لا يعلم من صنع هذه الصورة أو من فبركها أو استغلها ثلاثاً فهي تعكس الواقع المر سواءً كان في سوريا أو العراق أو اليمن أو أي مكان آخر، فالأطفال هم وقود حروب الساسة والمعادلات الدولية وصفقات المصلحة والتآمر، لكن الواقع المزري الآخر هو استغلال هذا الطفل ومأساته والمتاجرة بآلامه وجسده البريء وبراءته الطاهرة.

الحرب الطائفية المستعرة على خلفية حلب هي أكبر جريمة في المتاجرة السياسية في حلب وأطفال حلب، فالضحايا جرفتهم أتون الحرب وغيبهم الموت والدمار والتشريد إما بالمدافع أو القصف وإما بالسكاكين والسيوف، ولا أحد أيا كان يجرؤ على الاحتفال وإظهار الفرح والغبطة بموت الأطفال على أتون وقع المعارك في حلب ونتائجها السياسية والعسكرية، ومن يحمل ذرة من هذا اللون من التشفي أو إظهار السرور لأن أطفال حلب قد قتلوا أو شردوا أو عاشوا بلا مأوى أو طعام، فهذا ليس من صنف البشر مهما كان يحمل من معتقد ديني أو قومي أو أخلاقي أو إنساني.

لكن ضرورات السياسية والإعلام تحتاج هكذا تخريجات، فنتائج الحرب في حلب لم توثق بعد، ولا بد من حصر الخسائر البشرية وخاصة المدنيين منهم من جهات حقوقية ومحايدة، وتحديد من أرتكب بحقهم المجازر والبطش وليحاسب المعتدي، وتبادل الاتهامات لن تجد سوى في المزيد من التأجيج والصراع والتعبئة الطائفية، فاتهام الحكومة السورية وحلفائها من الدول أو المقاتلين يقابله اتهام الجماعات المسلحة المصنفة إرهابية بقرارات أممية أو المعتدلة وحلفائها أيضاً من الحكومات أو المقاتلين من مختلف دول العالم.

أنها المتاجرة السياسية بالأطفال، ففي حين أن وسائل الإعلام في قمة التأجيج ووسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى براكين وخطب المشايخ والسياسيين لا تكاد تتوقف، إلا أن ميدان حلب يقتصر على توفير الباصات الخضراء لتأمين ترحيل الإرهابيين والمسلحين وعوائلهم وأموالهم وسلاحهم بينما أطفال حلب، وهم أصحاب العزاء لا عزاء لهم، وهذه الصفقة تتم باتفاق الروس والأمريكان، بينما لم نر قطرة ماء أو قطعة خبز أو بطانية وصلت إلى حلب أو أطفالها!

حلب وإن انتهى بها القتال لكن دمارها يدمي كل قلب، ومع ركام حلب سوف تنتقل عدوى الحرب إلى مدن سورية أخرى كإدلب والرقة ودير الزور، دع عنك العشرات من المدن العربية الأخرى المنسية بآلامها وأرواح أطفالها، وبمثل هذه العقلية والقلوب المتأبطة شراً وحقداً لن يمكن إنقاذ طفل واحد، وسوف يبكي الجميع إما متفرقين في كل مرة أو معاً في نهاية المطاف، ولا حول ولا قوة إلا بالله!