خديعة إسقاط القروض!

08 مارس 2019

د. حسن عبدالله جوهر

مثلما ظهرت قضية إسقاط القروض فجأة، وعبر زخم إعلامي كبير وتهييج مشاعر الناس، اختفت هذه قضية وكأنها لم تكن أصلاً، وحتى فرسان هذا المطلب “الشعبي” لم يعد لهم حس ولا خبر، فكيف يمكن تفسير مثل هذه الظاهرة.

بداية، قضية القروض تعتبر من المشاكل الكبيرة التي يعاني منها المواطن وعلى نطاق واسع، سواءً اتفقنا على تفاصيل القروض الفنية أو مبرراتها أو المطالبة بإسقاطها على حساب الميزانية العامة للدولة أو اختلفنا في ذلك، ولا يمكن إنكار تعثر الكثير من المواطنين في سداد قروضهم ووقوعهم تحت طائلة الملاحقة القانونية، والأهم من كل ذلك الفوائد الجائرة التي باتت قاصمة لظهر الآلاف من الأسر الكويتية، في ظل ارتفاع مستوى المعيشة ومتطلبات الحياة وفق المعايير الكويتية.

إلا أن الطريقة التي تثار فيها قضية القروض بين فترة لأخرى مثيرة للغرابة حيث تتحول إلى بالونة  كبيرة ولكن سرعان ما تنفجر في الهواء دون أي أثر يذكر، ومنذ سنوات طويلة كانت المتاجرة بفكرة إسقاط القروض من أجل التكسّب السياسي خاصة من قبل أعضاء مجلس الأمة، وما يشجع على رواج التسويق لإسقاط القروض قصص الفساد المالي  في البلاد وتردي الخدمات والمبالغ التي يعلن عنها كمساعدات وهبات خارجية، مما يساعد على تهييج عواطف الناس، وخاصة المبتلين بهذه المشكلة.

لكن توقيت الحملة الأخيرة لإسقاط القروض وطريقة إخراجها “مسرحياً” كان برأيي خديعة من الكذب والاحتيال والأسوأ من ذلك استغلال حاجات الناس البسطاء وآلامهم بشكل لا يخلو من أشكال الجريمة الأخلاقية، وإليك الدليل على ذلك.

على الرغم من أن مشكلة القروض تعتبر ظاهرة عامة قد تشمل مختلف فئات الشعب، إلا أن من حرّض على إثارة الناس وتسخير الإعلام لهم أغلبهم من “النشطاء” والنواب المحسوبين على الحكومة في مواقفهم السياسية بل وفي الصف الأول في الدفاع عن الوزراء عند تعرضهم للمسائلة البرلمانية، وبالتالي فأن توقيت إشعال القروض جاء بالتزامن مع مجموعة من الفضائح المالية الجديدة وفي مقدمتها ضيافة الداخلية ثم صفقة اليورو فايتر وأخيراً ما أعلنه النائب رياض العدساني من تكرار ظاهرة النواب القبيضة في المجلس الحالي والمجلس السابق، وعلى ضوء ذلك تم إخماد الاستجوابات الأخيرة بمباركة من اللجنة التشريعية ثم التصويت العام في المجلس، وبعدها مباشرة اختفت مشكلة القروض من الوجود تماماً.

قضية القروض، لا يمكن حلها بالمطالبات الاستعراضية المتكررة بإسقاطها، ولكن بالتأكيد يمكن تخفيف ضغطها إلى حد كبير من خلال التشريع المتمثل في إلغاء الفوائد غير القانونية عنها أو إسقاط القروض المخالفة للوائح والنظم المعتمدة من البنك المركزي وتحميل البنوك المتلاعبة مسؤولية أخطائها المتعمدة، وفي ذلك فقط يمكن حل مشكلة القروض إلى حد كبير بالانتصار للناس المظلومة ودون تكبيد الخزانة العامة جور بعض البنوك.

هذا الحل بالتأكيد بعيد عن نواب الحكومة، ولذلك لا بأس بالظهور بين فترة وأخرى كأبطال من كرتون، وإن ظل المقترضون الغلابة يشربون من بحر الغصة والألم!