درس في الشريعة!

05 ديسمبر 2014

د. حسن عبدالله جوهر

كلاكيت ثانية مرة جديد يثير وجدان الكثير من المواطنين ويتسبب في زوبعة طائفية وحرب التويتر بسبب سلوك طائش وتعصّب أعمى ومرض نفسي ليس في الشارع أو حتى في مهرجان انتخابي وإنما في الصرح الجامعي وبين نخبة المجتمع أساتذة وطلبة، والمصيبة أن بطل هذه الفتنة من مدرسي كلية الشريعة!

استمعت كغيري إلى المقطع الصوتي للحوار بين مجموعة من الطالبات وهن يجادلن استاذهن بمنتهى الأدب والرقي العلمي بينما هو في قمة الهيجان وفقدان الصواب وتوجيه التهم لهن باللغة العامية ضارباً بعرض الحائط أصول التدريس العلمي والمنهجية والمنطق، وهي معايير أكاديمية أسياسية في أية جامعة على وجه الأرض، فلا عيب ولا ضير في النقد ومقارعة الآراء والاختلافات مهما كبرت ولكن يفترض أن يكون ذلك من خلال الدليل والعرض العلمي وسياق البراهين، والأهم من ذلك في جو من الاحترام المتبادل.

فعلاً ما ساءني أكثر من البعد الطائفي المقيت هو الضحالة الفكرية ونقص المعلومات لدى الاستاذ الجامعي حول إحدى القضايا الخلافية المتعلقة بالزواج وشروطه وأحكامه، وما يدعو للأسى أن من يحاول أن يتصنّع أنه مدافع شرس عن عقيدة أو وجهة نظر يفترض أن يكون متسلحاً بالعلم والحجة، وإذا كان هذا مستوى بعض من ينتسبون إلى إحدى الصروح العلمية في مسألة جزئية فعلى العلم ومخرجات التعليم السلام في مجالات العلم العميق ونظرياته ومناهج البحث والاستقراء.

كلية الشريعة وأساتذته يفترض أن يكونوا الأساس العلمي لفنون الحوار والجدل المعرفي، خاصة في ظل الاحتقان والفتن المحيطة بالمسلمين شرقاً وغرباً، وليس مأوى للتعصب والتكفير والتعبئة المذهبية، وبالتأكيد هذا ليس تعميماً شاملاً، فقد تشرفت بصحبة عميد هذه الكلية وعميدها المساعد في رحلة أكاديمية وكانا مثالاً للأخلاق السامية والمنطق في الحوار والنقاش، ولكن لا يفترض أن تكون هذه العينات هي الاستثناء بل القاعدة العامة.

سنوات طويلة  استغلها البعض ممن يدّعون زوراً أنهم الوكيل الحصري للشريعة، ولا عمل ولا شغل لديهم سوى تسفيه وتكفير معتقدات الآخرين وطرق عبادتهم والبحث في الكتب التاريخية للتصيّد عليهم، فماذا كانت النتيجة؟ النتاج الوحيد الذي جنيناه في عالمنا العربي بعد كل هذه الجهود والأموال والدعاة المتطرفين أن أتباع هذه المعتقدات الكافرة صاروا هم ضحايا أمثال داعش وأخواتها، وبينما هؤلاء الكفار والمبتدعة يدعون للتسامح والتعايش السلمي ويعمرون العالم بالعلم والمدنية، نجد أن خريجي مدارس الشريعة المتطرفة والمتخلفة يتباهون بقتل الأطفال ونحر الرؤوس وسبي واغتصاب النساء والترويج لثقافة الشتم والتحريض وهدم قبور الأنبياء والصحابة، فأين أمثال استاذ الشريعة إياه من الانتباه لهذا الجيل وتهذيبه وتأهيله وتعليمه الأخلاق الإسلامية في السلوك والحوار والتعايش.

نعم إدارة الجامعة اتخذت قراراً حازماً ضد هذا المنتدب أصلاً، ولكن من للثقافة المجتمعية المتدهورة والحالة العميقة من الاحتقان الطائفي الذي قد يوقد ناره مثل هذا الحدث العابر بين الحين والآخر؟!