ديمقراطية أيام زمان!

 

د. حسن عبدالله جوهر

16 سبتمبر 2008

 

استكمالاً للمقال السابق حول بيان الشيخ الأحمد وانتقاداته للحالة العامة في الكويت، والسؤال الذي ختمنا به وهو لماذا كانت الديمقراطية ناجحة ومحبوبة أيام زمان ولماذا أصبحت مأكولة ومذمومة اليوم، يجب أن نؤكد أولاً بأن الدستور الكويتي هو ذاته لم يتغير منذ عام 1962، والانتخابات العامة جرت أثنى عشر مرة، وبرزت خلال الخمسين سنة الماضية القوى السياسية بتنوع برامجها السياسي والفكري وتمثيلها الاجتماعي والجغرافي، وزادت نسبة التعليم وتوسعت آفاق الوعي السياسي والانفتاح على العالم الخارجي، وأخيراً دخلت المرأة المعترك السياسي وتقلصت الدوائر الانتخابية لتذيب الكثير من المناطق في منظومة متنوعة المشارب والتوجهات، وفي هذه الأثناء أيضاً شهدت الكويت العديد من التقلبات السياسية الحادة على المستويين المحلي والإقليمي.

وهذه المقدمة التحليلية المبسطة على مدى نصف قرن من الزمان يفترض أن تكون أساساً لتطور الديمقراطية وترسيخها وامتداداً لبناء دولة المؤسسات الكاملة وبكل تفاصيلها، ولكن ما نراه على أرض الواقع هو عكس هذا الطموح بل ووصل الأمر إلى أن يكون السؤال حول المستقبل قبل حوالي ثلاثة سنوات: “إحنا وين رايحين؟” أما اليوم فقد انتفت صيغة الاستفهام حول ما هو قادم وتحول السؤال إلى قناعة مؤكدة يعلنها الجميع وبكل وضوح وصراحة مفادها: “الله يستر من الجاي!”

وبالتأكيد فأن الحديث عن تطور المسيرة الديمقراطية وتقييمها وأسباب تعثرها وإخفاقاتها لا يخلو من تعقيدات وتباين يعكس ما شهده هذا التدرج التاريخي، ومن المؤكد أيضاً أن يدخلنا التحليل في هذا الموضوع في جدل لا متناه، ولكن لا يمنع ذلك كله من طرح وجهة نظر محددة ومركزة لعلها تبرز جانب واحد من هذا الموضوع الشائك.

فجمال الديمقراطية في بداية العهد الدستوري كان نابعاً في المقام الأول من روح التحدي والحلم الكبير الذي سعى من أجله الكويتيون على مدى عمر طويل جداً، وولدت الديمقراطية في حضن روادها الأوائل الذين ساهموا أيضاً بوضع قواعد اللعبة السياسية لها وأخرجوها من النظرية إلى حيز التنفيذ، وكانت النخبة السياسية أسم على مسمى من حيث العدد والتفوق العلمي والثقافي بغض النظر عن مدى قناعتنا بفكرهم وأهدافهم في ذلك الوقت، وانقسمت هذه النخبة بدورها إلى فريق مؤيد للسلطة التنفيذية ودخل معها في تحالف إستراتيجي شكل لأركانه مصير مشترك شعبياً وسياسياً، في مقابل فريق آخر اختار خط المعارضة فكراً وقولاً وممارسة، ومضت هذه المسيرة رغم بعض الهزات السياسية العنيفة بثبات المواقع والمواقف، ولذلك كانت الديمقراطية تتمتع ليس فقط بالشفافية والوضوح بل بالمصداقية والقبول لدى الشعب الكويتي بكل مكوناته الاجتماعية والسياسية والفكرية.

ولكن السلطة هي التي وضعت العصا في دولاب التطور التدريجي والنضج السياسي لهذه المسيرة من خلال الإصرار على أن تكون في خانة الاستحواذ الكامل على الحكومة كسلطة تنفيذية بالطيب أو بالزور، وسواءً حصلت على أغلبية شعبية وبرلمانية أو لم تحصل عليها، ولهذا أقدمت على تزوير ثاني انتخابات تشريعية، ولما لم يستقر لها الوضع في ذلك لم تتحمل البرلمان برمته فجازفت بتعليق الدستور وتعطيل كل أشكال الديمقراطية بمجلسها المنتخب وصحافتها الحرة ومؤسسات المجتمع المدني الرائدة في وقتها وذلك لمدة بلغت ثلاثة فصول تشريعية كاملة أي ما يعادل ربع العمر الدستوري، ناهيك عن التدخل في معظم الانتخابات العامة إما بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم تختار طريق السماح لهذا الحلم التاريخي بأن يتطور ذاتياً وأن ينضج بشكل متدرج، والأسوأ من هذا كله دخلت في تحالفات جديدة خراج إطار الدستور وساهمت في إبراز قوى سياسية واجتماعية ومكنتها من الاستحواذ على المال والسلطة والنفوذ دونما عناء وأعطتها الغلبة السياسية مقابل خنق الديمقراطية والتضييق عليها، فخلطت الكثير من الأوراق التي لم تعد هي نفسها قادرة على إعادة ترتيبها أو لملمة بعثرتها، فتشوهت بذلك معالم الديمقراطية وتحولت إلى عبئ أكثر منها وعاء يستوعب الكويت وشعبها، وسوف نسرد بعض الشواهد على ذلك لاحقاً.