الاثنين 30 يوليو 2007

سوق”البشر”!

د. حسن عبدالله جوهر

زعل الكثير من الكويتيين، على المستوى الرسمي وكتاب الصحافة وغيرهم، من تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن ممارسة تجارة البشر بحق العمالة الوافدة في دولة الكويت، ومع أن الأمريكان يفترض أن يكونوا آخر من يتكلم أو يدافع عن حقوق الإنسان في العالم إلا أن الكثير من الاتهامات الواردة في التقرير “الفضيحة” لا غبار عليه، بل وسبق أن تم طرحها محلياً ومنذ سنوات في الصحافة ومجلس الأمة وجمعيات حقوق الإنسان ولم تلق إلا المكابرة والعناد واستمرار النفي، ويكفينا إدانة إجمالية أننا نفتقر حتى الآن إلى قانون لتنظيم العمل في القطاع الأهلي يحدد حقوق وواجبات العمال ومعازيبهم رغم تقديمه في مجالس الأمة على مدى عدة فصول تشريعية ولكنه كان يقبر دائماً بيد الحكومة واللجان المختصة!

ويكفي أن نستدل على حجم المعاناة الإنسانية لعشرات الآلاف من الوافدين خاصة من الآسيويين الذين تساوى عددهم مع الكويتيين إلى مليون نسمة غالبيتهم من البسطاء والمعدمين ممن لا تتجاوز رواتبهم الشهرية قيمة وجبة عشاء تطلبها أية أسرة كويتية من مطاعم الوجبات السريعة في ليلة واحدة.

أما ظاهرة التسول الجوال من الجيش الأصفر والبرتقالي في الشوارع والفرجان وفي كل مناطق الكويت ممن يستجدون الصدقات والموائد الجماعية في شهر رمضان فلا تحتاج إلى تقارير لأنها تحولت إلى معلم من معالم الديرة.

ولماذا نستنكر وجود التجارة بالبشر في الكويت إذا عرفنا أن قيمة العامل في أقل مناقصة حكومية لا تقل عن مئة دينار شهرياً في حين أن الراتب هذا العامل يتراوح من 20 إلى 30 دينار فقط وفي كثير من الأحيان لا يتم صرفه لعدة شهور وحتى تقوم المظاهرات وتوسط السفارات وتدخل وزارة الشؤون؟

وكيف لا توجد عندنا تجارة البشر والكل في الكويت يعرف بالتفصيل أسعار تصاريح العمل للوافدين بحسب الجنسية، فالباكستاني 600 دينار والإيراني 700 دينار والسوري 800 دينار والأفغاني 1000 دينار والبنغالي الذي يعتبر اليوم عملة نادرة يصل فيه قيمة الرأس إلى 1500 دينار، وفي بورصة الإقامات هذه تكسب ذهب فألف معاملة يمكن أن تجني منها 5 ملايين دينار بالراحة.

ومع ذلك فإن تجاوب الحكومة مع هذا الموضوع في غاية الغرابة، فكلما زادت التصريحات بالتشديد والوعيد كلما زادت المخالفات ولا أتذكر أن هناك دولة في العالم يشتكي فيها المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء المعنيين بشؤون الإقامة مثل الداخلية والشؤون من تفاقم وخطورة  تجارة الإقامات سوى في الكويت دون أن يقابل ذلك إجراءات عملية جادة لمواجهتها، بل تخوض تجارة خاسرة مع مافيات الإقامة، فما تنفقه وزارة الداخلية من أموال وجهود لوضع خطة أمنية تفرز فيها المئات من رجال الأمن والباصات والدوريات لمداهمة إحدى المناطق للقبض على العشرات من مخالفي الإقامة في خيطان أو جليب الشيوخ وفي مشاهد سينمائية تلاحقهم خلالها كاميرات التصوير والصحافة، إضافة إلى ما تتكبده الدولة من تحمل نفقات نقل هؤلاء المخالفين وإيوائهم وأخيراً دفع مصاريف إبعادهم، كل هذه الترتيبات والاستعدادات والخسائر بمنظرها المزري يقابله شخطة قلم وتوقيع واحد من مسؤول واحد لا يستغرق سوى ثوان معدودة أثناء قيام أحد المعازيب أو حتى مندوبهم بحوس استكانة الشاي ويشرب نصها.. نأمل أن نجد اليوم الذي تعلن فيه الحكومة أن الكويت ليست خالية من شلل الأطفال والدرن وأنفلونزا الطيور بل من التجارة في البشر.