الثلاثاء 05 أغسطس 2008

سياسة الفأس بالرأس!

د. حسن عبدالله جوهر

ما نراه اليوم من كثرة التصريحات الإعلامية لعدد من مسؤولي الدولة على مختلف المستويات بشأن التصدي لقضية الاحتجاجات العمالية يثير الشفقة ويكشف المستور عن حالة التردي في صناعة القرار، وإذا كانت الحكومة بأجهزتها المختلفة قد استنفرت اليوم بحثاً عن مخارج أمنية وسياسية وقانونية وإنسانية لأزمة العمال البنغال، فالسؤال الصعب هو ماذا أعددتم بشأن التنمية ومستقبل الكويت وشعبها؟ ولماذا تنتظر الحكومة دائماً حتى يقع الفأس بالرأس؟!

وحاشى أن نسرد مثل عبارات النقد والعتب هذه لمجرد التشفي أو التصيد على الأخطاء أو رضاً بالسمعة السيئة التي لحقت بالكويت عالمياً بعدما كانت كلمة الكويت تعني على مدى سنوات طويلة النهضة والعمران والتطور والديمقراطية والاستقرار، ولكن هذه فرصة جديدة لتشخيص الصورة العامة لأوضاع البلد ومراكز الخلل الرئيسية فيها والتي تكون ثمرتها بالتأكيد الأزمات المزعجة على غرار ثورة البنغال!

وأولى مراكز هذا الخلل غياب قاعدة المبادرة في اتخاذ القرار، أو ما تحول بالواقع الفعلي إلى “ديرة تمشي على البركة”، فهل يعقل أن جهاز ضخم يضم وزراء ووكلاء ومستشارين كان غافلاً على مدى عشرين سنة من تنامي ظاهرة العمالة المستوردة والزيادة المفرطة في الشركات التي استولت على العقود الحكومية تحت عنوان الخصخصة، والإصرار على إهمال حقوق العمال ممن لا تتجاوز رواتبهم الشهرية 25 دينار لا يستلمونها لعدة شهور؟ ومن الطبيعي أن تكون أجهزة الدولة على دراية دقيقة لهذه المشكلة منذ بدايتها ولكن المؤكد أن شبكة المصالح التي تربط أصحاب النفوذ بأصحاب القرار هي التي كانت السبب الأول لهذا التجاهل المستمر، وهكذا تصرف ينم عن عدم إيمان حقيقي بدولة القانون والمؤسسات فما بالك بوجود قناعة حقيقية لمبادرات ليس لحل المشاكل وإنما لضمان عدم وقوعها أصلاً!

والبعد الآخر يتمثل في الترهل التشريعي الذي بلغ في بعض جوانبه إلى مأساة حقيقية، فقانون العمل في القطاع الأهلي المعمول به حالياً يعود إلى منتصف الخمسينيات ويتعامل مع أجور العمال بالروبية وهي عملة ما قبل الاستقلال، وحتى لا يتهم المجلس كالعادة بأنه سبب عدم إقرار قانون جديد للعمل في القطاع الخاص، أقول بأنني شخصياً تقدمت بقانون متكامل في هذا الشأن مع المرحوم النائب السابق سامي المنيس في مجلس 1996 وتم إعادة تقديمه تباعاً ولكن التجاهل الحكومي كان دائماً يعوق إقراره، والسؤال هنا مرة أخرى هل يعقل بأن حكومة وبمختلف مؤسساتها ووزاراتها والإدارات القانونية فيها ووجود جهاز قانوني كبير تابع لها يتمثل بالفتوى والتشريع يغفل مثل هذا الفراغ التشريعي في بلد يسيطر القطاع الخاص (بأجانبه طبعاً) 75% من قوة العمل؟

المشكلة أن البعض الذي بدأ يروج لفكرة أننا نملك أفضل تشريعات ولكن ينقصها التنفيذ وبالتالي نحتاج إلى قوانين جديدة قد نجح في إيهام الرأي العام في هذه الخديعة لغرض في نفس يعقوب ولعله ضرب مجلس الأمة وتحجيم دوره التشريعي، فالفراغ التشريعي يشكل أزمة إدارة في الدولة، والحكومة بكل أجهزتها التي أسلفناها لم تبادر منذ سنوات طويلة في تجسيد مبدأ الشراكة السياسية مع مجلس الأمة في البعد التشريعي، وعادة ما تكتفي بتقديم قوانين الميزانية والحساب الختامي!

والبعد الأخير في مشاكلنا المتفاقمة يكمن في ضيق صدر الحكومة والموالين لها بالحق والباطل من النقد واعتبار أية انتقادات مشاريع تأزيم وتصعيد سياسي وفي نفس الوقت المكابرة والحسد في حالة وجود مبادرات لحل أية مشكلة إذا لم تأتي من الحبايب! فعقلية الشك والريبة التي استقرت في العقل الباطن عند الحكومة والتحسس من أية حلول يقدمها المجلس أو القوى السياسية كانت ولا تزال عقدة نفسية تعاني منها الحكومة التي أصبحت كما يقول المثل: لا ترحم ولا تخلي رحمة الله تنزل!