شراء المواطنة الكويتية

تولي أدبيات الحداثة السياسية دور المواطن الفرد اهتماماً بارزاً وتعتبره ركناً أساسياً في أي مشروع حضاري وتنطلق فلسفات التنمية السياسية والاجتماعية من ضرورة بناء المؤسسات المدنية وتحديد مهامها في عملية صناعة الدولة والمحافظة عليها وتطويرها، وعلى هذا الأساس يكون التعامل مع المواطن أياً كان موضعه ومهما كانت مؤهلاته وحسبما كان انتماؤه عائلياً أو مذهبياً أو عرقياً، وعملية صقل المواطن وإعداده لا تمت بصلة لأي من هذه الانتماءات الضيقة، فالمواطن يجب أن يقوم بدوره الاجتماعي كاملاً أملاً في الحصول على الضمان الاجتماعي تنسجه خدمات الآخرين له.

وعلى ضوء هذا المفهوم لا بد من مسايرة المواطن لجميع خطوات العمل بدءً بالسياسات العامة وتحديد الأولويات وتعيين الأدوات اللازمة لتحقيق تلك السياسات والمشاركة المباشرة أو غير المباشرة في الإشراف على سير العمل، ولا تتوقف مهمة المواطن عند هذا الحد بل يجب أن تمتد لتشمل دوره في تحديث وتطوير ما يعنيه من مؤسسات وأجهزة قرار وأن يكون جزءً منها يؤثر فيها ويتأثر بها كماً ونوعاً، وليست الديمقراطية بمفهومها الشامل، سوى صورة تطبيقية لهذا المعنى من المواطنة.

وبما أن الكويت تعيش حالة ديمقراطية متجسدة في واقعها ومستمدة من تراثها يجب أن يكون للمواطن دور حقيقي في عملية البناء الحضاري ولكن الواقع الملموس لا يعكس هذا الاتجاه بشكل واضح أو حتى مطمئن، وإذا أجرينا مقارنة عابرة بين دور المواطن الكويتي قبل وبعد الاستقلال أو قبل وبعد العصر الذهبي للنفط نجد مفارقات كبيرة على صعيد فهم المواطن لدوره وعطائه وإنجازه وكذلك استيعابه لدوره الاجتماعي والتنموي وذلك على الرغم من فطرية وعفوية المستوى الثقافي والعلمي والإدراكي لدى الأجيال السابقة، بل لم تمنع صعوبة الحياة وانشغالات المعاناة اليومية من توفر حد مهم من التكافل والتعاضد والأداء الاجتماعي العام لخدمة القضايا الكلية ومواجهة التحديات الجماعية.

ولكن وفي ظل الثروة النفطية وتحقيق الاستغلال السياسي للدولة وتنامي معدلات التعليم والانفتاح تقهقر مفهوم المواطن ودوره الحقيقي بشكل يثير الاستغراب والدهشة، الأمر الذي لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع طبيعة الظروف الجديدة أو حتى مع الامتداد الطبيعي لنفس الجيل الذي عبر من نفق المشقة والإخلاص، ومع مرور الزمن تحول مفهوم المواطن إلى معنى يهدف إلى تجسيد مظاهر الخمول والاتكالية والإدمان على الواسطة والمحسوبية وعدم الإنتاجية والتعالي على العباد أو التجارة برقابهم، ومن الغريب أن تصل مثل هذه الظواهر إلى حد أن يتهم من لا يقترفها بأن ليس مواطناًً، ولعل الوفرة النفطية والقلة العددية قد ساعدت على الاستمرار في هذا المنحى دون الإحساس أو الترقب لما سوف تؤول إليه الأمور لاحقاً، وهذا ما حدث بالتدريج والحركة البطيئة التراكمية، حيث أصبح المواطن وبعد سنوات طويلة من العمل والارتقاء في السلم الوظيفي عاجزاً عن تحقيق أي إنجاز حقيقي، ووصلت مستويات الخدمة العامة إلى حد يثير الشفقة والسخرية وتبخرت الفوائض المالية نتيجة البذخ والنهب والتقاعس.

والأخطر من ذلك، أن البعض استغل انهماك الأغلبية في تحصيل ومواصلة روتينهم اليومي وتخدرهم تحت عوامل النشوة المادية والاستهلاكية، وقام بممارسة سياسات منظمة ومدروسة للنهب العام والتخريب المنظم للمرافق المادية والمعنوية والأخلاقية بل وتقويض دعائم البلد وعندما انكشفت مثل هذه الألاعيب وبدأ تأثيرها يطال الحياة الخاصة للمواطن الفرد بدأت الجهود تتركز على تخريب ضمير هذا المواطن وشراء ذمته وسكوته عن تلك الممارسات المجرمة مقابل ثمن بخس أو خدمة متواضعة قد لا تخرج عن نطاق إلغاء مخالفة مرورية أو حصول على ترقية غير مستحقة، بل ووصل الأمر إلى تفريغ المؤسسة الدستورية والتي تشكل الأمل الأخير لصالح المواطن من محتواها أو حتى العمل على تشويه صورتها واعتبارها مصدراً لمزيد من التدهور والانحطاط وذلك مقابل حفنة من المال.

ومن المؤسف أن تتعالى بعض الأصوات بشكل مسموع ووفق ممارسات مكشوفة وسمجة لتطبيق سياسة شراء الأصوات ودون أيما رادع أو عقاب والمخزي أنه إذا لم تصل الحمية إلى رفض هذا الأسلوب من شراء الأصوات فأن الشراء يكون بثمن بخس لا يتناسب مع المستوى الاقتصادي والمرفه للمواطن الكويتي المدلل أصلاً، فهل قيمة المواطن الذي يتقاضى راتباً تقاعدياً قيمته (1000) دينار ومجموع ما يجمعه خلال (4) سنوات (48) ألف دينار أن يبيع صوته بـ (500) دينار لا غير؟! أليس هذا طعناً بمصداقية المواطن الكويتي واستهتاراً بحقوقه؟!!