شهادات على قمة حكومية مترنحة!

02 يوليو 2019

د. حسن عبدالله جوهر

في عنوان عريض كتبت صحيفة الجريدة “الجهاز القيادي والفني للدولة في خطر”، وذلك في إشارة إلى تسلل حملة الشهادات المضروبة أو الضعيفة إلى المناصب الإشرافية في مختلف المؤسسات الحكومية وخاصة ذات الطبيعة الفنية التي تتطلب دراية علمية وخبرة عملية في مجال الاختصاص، ويلقي الخبر اللوم على الحكومة والمجلس في تفشي هذه الظاهرة السلبية وتحذر من نتائجها وتبعاتها، وهي بلا أدنى شك كارثية ومدمرة على جميع الأصعدة.

مثل هذه النتيجة متوقعة أصلاً، إن لم يكن قد تم الإعداد والتخطيط لها مسبقاً، فجميع النداءات والتحذيرات من أصحاب الشهادات الوهمية أو المزورة أو مخرجات الجامعات المشبوهة في الخارج راحت أدراج الرياح، وعلى الرغم من بعض الإجراءات الخجولة فيما يخص أشباه الشهادات الجديدة مؤخراً، والتي توقفت أيضاً بشكل مفاجئ، إلا أن ما يتم التحذير منه اليوم يعود إلى سنوات سابقة.

وفي رأيي فأن الحكومة هي من تتحمل مسؤولية هذا الانهيار الإداري والأخلاقي منفردة، وإقحام المجلس أو نوابه في هذا الأمر قد يستغل لتشتيت أصل القضية والتهرب من مواجهتها والتسويق بأنها مشكلة مجتمعية متداخلة يصعب التصدي لها، ذلك أن أصحاب هذه الشهادات ومن يتوسط لهم من أعضاء مجلس الأمة أو غيرهم لا يملكون أدوات القرار ولا سلطة تنفيذه، اللهم إذا كانت هناك صفقات سياسية لما هو أخطر وأهم من  منصب قيادي أو مركز عالي في الحكومة ووزاراتها، وهنا تتحول الجريمة إلى إثم مزدوج وتبقى الحكومة ممثلة في مجلس الوزراء هي المسؤول الأوحد عن ذلك بحكم الدستور والقانون.

في مجلس 2006 ذهبت مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء في ذلك الوقت وذكرت له شخصياً بأن هناك عشرات الآلاف من المواطنين الذين انتشروا عبر العالم في جامعات، لا تتمتع بأية معايير علمية أو رصيد موثق في السجلات الأكاديمية المحلية أو الدولية، وفي تخصصات في غاية الأهمية مثل الطب وطب الأسنان والهندسة والمحاسبة والقانون وإدارة الأعمال، وبينت له نفس عبارة “مانشيت الجريدة” اليوم بأن آثار تلك المأساة سوف تظهر بعد عشرة سنوات عندما يتولى أصحاب مثل هذه الشهادات المناصب العليا في الدولة دونما دراية معرفية وبحجة توفر المؤهل والأقدمية شكلاً وليس مضموناً، ولكن هذا الكلام يبدو أن دخل في أذن وخرج من الأذن الأخرى.

وفي اجتماع للجنة التعليمية في نفس الفترة، ويفترض أنها مسجلة وموثقة، تم التحذير بشكل واضح ومباشر من قبل الأعضاء لوزيرة التربية آنذاك من النتائج المزعجة المترتبة على هذا النوع من التعليم المزيف وبسبق إصدار لتولي قمة الهرم الإداري في الدولة، وفي ذلك اللقاء أشرت للأخت الوزيرة أن خطورة الوضع يستحق حتى تعويض الطلبة المنتسبين إلى تلك الجامعات ما سددوه من رسوم دراسية ومصاريف السفر وإرجاعهم فوراً إذا كنا حريصين فعلاً على مستقبل البلد وجهازه الإداري الذي يعد عصب القرار ومرجعية القرار وبنية متابعة خطط التنمية والمشاريع المستقبلية، وكانت ردة الفعل نسخة مكررة من أذن الطين وأذن العجين.

أمام هذه الحقائق التي يعيشها الإنسان بتفاصيلها ويشهد على وقائعها ويحذر من تبعاتها وقد يلجأ إلى استخدام وسائل المحاسبة بسببها، ثم يخرج المسؤولون عنها مثل الشعرة من العجين لا يوجد تفسير آخر سوى تعمد الحكومة في هدم دعائم الدولة وأسس بنائها عن دراية وتعمّد!