الثلاثاء 24 يونيو 2008

صندوق لله يا معسرين!

د. حسن عبدالله جوهر

موقف الحكومة من قضية القروض عبارة عن جملة من الطلاسم قد لا يستطيع حتى كبار السحرة من فك رموزها، فحتى عدة شهور مضت كانت تصريحات المسؤولين في بنك الكويت المركزي ووزارة المالية تنفي وبشكل قاطع وجود أية مشاكل تتعلق بالقروض وكانت تعتبر الحديث عن هذا الموضوع فقاعة كاذبة وأزمة مختلقة وأن الغالبية العظمى من المقترضين يسددون أقساطهم بسهولة ويسر، ولا يوجد سوى 19 حالة فقط في الكويت من المتعسرين والملاحقين قانونياً بسبب عدم قدرتهم على السداد.

وعندما عرض قانون النائب عبدالله راعي الفحماء للنقاش في المجلس السابق واستشعرت الحكومة وجود أغلبية نيابية قادرة على تمريره مارست ضغطاً شديداً على النواب لإحالة المقترح إلى اللجنة المالية وقدمت مقترحاً بديلاً وهو ما عرف بصندوق المعسرين ونجحت بذلك بفارق ثلاث أصوات فقط.

وفي أوج النقاش الساخن في ذلك الوقت زعمت الحكومة بأن مبلغ 300 مليون دينار وهو رأس مال الصندوق سوف يغطي جميع المعسرين وبالتالي سوف يقضي على أزمة القروض من جذورها، وبعد تقديم قانون كتلة العمل الشعبي الذي جمع بين الاستفادة من فكرة الصندوق وتعميم حكم محكمة التمييز بشأن الفوائد المزيفة من جهة ووضع ضوابط جديدة على نظام الاقتراض تم حل مجلس الأمة بدأت الحكومة بكشف خيوط المآسي التي كانت تغطي حجم الكارثة الحقيقية لهذه الجريمة المالية وأولها وجود أكثر من 50000 قرض مخالف لشروط البنك المركزي وبفوائد مصطنعة تجاوزت نصف مليار دينار.

واليوم تتقدم الحكومة بمبادرة جديدة تتمثل في زيادة رأس مال الصندوق الخاص بالمعسرين إلى 500 مليون دينار مع إبداء المرونة برفع هذا المبلغ إلى 700 مليون دينار، وذلك بهدف إجهاض القانون الشعبي والذي يمكن فيه سر الإسرار.

فهذا التناقض في تصريحات الحكومة التي وصلت حتى عام 2007 إلى حد تضليل صاحب القرار في القيادة السياسية، ومن بعد ذلك سلسلة التراجعات والتنازلات التي قدمتها وزارة المالية بدءً من إنكار وجود أية مشكلة مروراً بوجود حالات من التعثر لا تتجاوز العشرين حالة ثم الإعلان عن ضخ 300 مليون دينار وزيادته إلى 500 مليون وانتهاءً بزيادة هذا الرقم إلى 700 مليون لا يعكس عدم دراية أو سذاجة حكومية بقدر ما يعزز فهم الحكومة وبشكل دقيق عن حجم المشكلة وتبعات حلها، ولهذا لجأت إلى إستراتيجية “جم أقول” أو لعبة القط والفأر فأخذت تفتح الجيب بقدر حجم الضغط النيابي وقرب تحقيق الأغلبية المطلوبة لإقرار القانون الشعبي.

أما بيت القصيد ولعل الكود السري لشبكة الطلاسم الحكومية وفك شفرته فتتمثل في أن الحكومة وبعد أن ضاق عليها الخناق للاعتراف ببعض تفاصيل الأزمة الحقيقية كشفت أخيراً بأن تجاوزات البنوك التجارية في قضية القروض والغرامات المالية التي سوف تتكبدها سوف تتراوح ما بين 500 إلى 700 مليون إضافة إلى تضييق سياسة الاقتراض إلى أبعد الحدود على البنوك مستقبلاً وهذا ما يعني تسكير الباب الأول والأكبر للأرباح السهلة لهذه المصارف.

وباختصار فأن الحكومة التي طالما أنكرت وكابرت ورفضت أن تساهم في رفع المعاناة عن أكثر من ربع مليون مواطن إضافة إلى عوائلهم تعلن فجأة موافقتها وعن طيب خاطر وتحت عنوان عريض هو التعاون مع مجلس الأمة عن دفع هذا المبلغ ليس للمواطنين بل لمجموعة بنوك لا تتجاوز الخمسة وتسدد عوضاً عنها الغرامات التي سوف تتكبدها وإن بلغت قيمتها مليار دينار، وسوف تشهد جلسة مجلس الأمة المرتقبة كشف هذا المستور، وأما المعسرين فلهم الله!!