عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة!

25 سبتمبر 2018

د. حسن عبدالله جوهر

عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة، ألا تلاحظون خلال السنوات القليلة الماضية الكم الهائل من القصص والحكايات حول اختلاسات مالية ضخمة أو جرائم المال المنظمة أو فضائح التزوير للشهادات العليا؟ ألا تلاحظون أيضاً التغطية الإعلامية المكثفة لمثل هذه القضايا سواءً على صعيد الصحافة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

ألا تلاحظون كذلك نشر الكثير من المستندات والوثائق المصاحبة لتغريدات وتعليقات كبار المهتمين بالنشر الإلكتروني ممن اشتهروا برصيد ضخم من المتابعين؟ وأخيراً، ألا تلاحظون الصمت الحكومي المريب لكل ما يحدث حولنا على الرغم من أن مسرح هذه الجرائم هي مؤسسات الدولة والوزارات الحكومية، ومرتكبيها هم من القيادات الوسطى والعليا في هذه الجهات؟

عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة، هل بدأت تفكر ولو بشيء بسيط من التحليل والمنطق كيف تربط خيوط هذه الحوادث بينك وبين نفسك للوصول إلى بعض التفسيرات التي يتوصل لها عقلك ويترجمها وجدانك الداخلي؟ أم تكتف فقط بإعادة إرسال مثل هذه المعلومات إلى أقربائك وأصدقائك والقروبات الخاصة بك مع إضافة بعض رموز التعجب والسخرية أو الغضب أحياناً؟

عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة، إذا أذنت أن أشاركك ببعض التحليل البسيط بعيداً عن تعقيدات مثل هذه الجرائم، التي تزيد ولا تنقص بعد ترويجها وفضح أبطالها، من الناحية القانونية أو السياسية، فهل تقتنع معي أن الهدف من هذا الإخراج المسرحي والمستمر على مدى الساعة، هو فرض نوع من الترويض النفسي لك ولي، بأن ما نراه وما نسمعه هو أمر واقع ومرض استشرى في المجتمع، ولا حيلة للحكومة أو أجهزة القضاء أو الرقابة المؤسسية والمجتمعية في إيقافه أو حتى الحد منه، والوصول في النهاية إلى خلاصة مفادها “ماكو فايدة”!

عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة، هل تشاركني الرأي بأن السبب النفسي في ذلك واضح وضوح الشمس، فمن يقوم بمثل هذه الجرائم من سرقة أو نهب الأموال باسم حجز الفنادق أو مصاريف المؤتمرات أو تحت شعار إطلاق مشاريع التوعية الدينية أو احتفالات العيد الوطني أو تنظيم مسابقة رياضية أو تزوير الشهادات أو سرقة الأوراق الرسمية من داخل رحم القضاء هم مواطنون “منا وفينا”، فأبطال ما أعلن عنها من الجرائم والفضائح الأخيرة هم ضباط في الأجهزة الأمنية أو مسؤولين في الوزارة أو محامين أو تجار أو مشايخ الدين أو شخصيات أكاديمية أو رموز إعلامية وسياسية، فما ذنب الحكومة إذا كان الشعب فاسداً!

عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة، هذا هو الترويض النفسي الذي يراد له أن يستقر في أذهاننا لدرجة اليأس والإحباط، أما الهدف الخفي فهو بقاء الحكومة بشخصياتها ونمط تفكيرها ونهجها إلى الأبد، وهذا ما تحقق بالفعل في الفترة الأخيرة عندما ماتت المعارضة المخلصة وتاهت الرقابة الشعبية، وبلغنا حد من المسخرة بأن الحكومة الجبارة تنجح بلمح البصر من القبض على وافد متنكر بالنقاب ويسرق حفنة من الدنانير من بنك محلي، بينما تعجز عن اكتشاف السرقات المليونية بوجه مكشوف وفي وضح النهار!

عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة، ألا تلاحظ أن مجلسنا الموقر الذي قمنا بانتخاب أعضائه تصلهم عشرات التقارير من الأمانة العامة لمجلس الأمة حول جرائم المال العام وبجهد كبير بذل في رصدها بالأدلة والمستندات، ومع ذلك فشلت كل محاولات المساءلة للحكومة ووزرائها وإعطائها صك البراءة دون تردد، في دلالة على تأصيل هذا العجز في نفوسنا؟!