الخميس 16 أغسطس 2007

“علاج وزارة الصحة بالخارج!

د. حسن عبدالله جوهر

قضية العلاج بالخارج في وزارة الصحة هي المرض الأخطر الذي كان ولا يزال ينخر جسد هذا المرفق المهم حتى تمكن من شل حركته وعرقلة الكثير من مشاريعه ناهيك عن أية خطوات فعلية للتطوير والإصلاح لمستقبل أهم خدمة عامة في الدولة وهي الصحة، وبحسب التجربة العملية والواقع الميداني فأن حالة مرضية واحدة تكفي لاستنزاف جهد ووقت هيكل الوزارة بدءً بالموظف الإداري البسيط وانتهاءً بقمة الهرم الوزاري بما في ذلك السيدة الوزيرة ووكلائها المحترمين، فكيف يمكن أن نتصور الوضع في ظل الآلاف من الحالات على مدار الساعة يومياً؟! وتحولت المشكلة إلى دائرة مغلقة من الفوضى العارمة التي وضعت البلد كله في أزمة سياسية مستمرة.

ولا أبالغ إذا قلت بأن حجم صراخ بعض النواب وحدة تصعيدهم الإعلامي ومؤشر تهديدهم السياسي يعكس ويوازي حجم الضغوطات النفسية الناجمة عن مطالبات وإلحاح ووعيد أهالي المرضى من ناخبيهم، وخاصة الحالات المستعصية التي قد تكلف حياة المريض عند تأخر العلاج، ومما يزيد الضغط النفسي على النواب هو أن هناك دورة طويلة لا بد من متابعتها بدءً باستقبال الحالة ومروراً بالاتصال بأعضاء اللجان الطبية المصغرة ومن بعد ذلك توصية أعضاء اللجنة العليا ومن ثم مقابلة مدير العلاج بالخارج وأخيراً إقناع وكيل الوزارة والوزيرة، وما أن ينتهي من هذه الدورة حتى يواجه بطلبات جديدة تستوجب البدء من نقطة الصفر في مسلسل شبه يومي، ولذلك فان أقصر الطرق هو إما الحصول على تأشيرة ذهبية من قيادات الصحة أو بتصريح يختزل فيه كل هذا العناء ويبرد من خلاله “كبد المريض وأهله”!!

وأن ما أوصل مشاكل العلاج بالخارج إلى هذه الدرجة من التعقيد هو سياسة الحكومة في تقديم هذه الخدمة لبعض المرشحين خلال انتخابات الصيف الماضي حيث وصل عدد حالات الإيفاد للخارج أكثر من 50 ألف مريض بمرافقين (أي 150 ألف مواطن) وبكلفة تقدر نصف مليار دينار، وتركت وزارة الصحة في مهب الريح لمواجهة هذا الزخم من الطلبات الجديدة، بل والأخطر من ذلك خلطت أوراق من يستحق العلاج والمتمارضين حتى أصبح المعيار في بعض الأحيان هو درجة الواسطة والنفوذ أو مستوى التهديد والوعيد.

وللخروج من هذا النفق هناك ثلاثة حلول تتناسب مع الذوق الكويتي في ظل انعدام سياسة حكومية واضحة في مجلس الوزراء الذي سجل أرقاماً قياسية في ارتجالية القرارات وسرعة التراجع عنها، وأولى هذه الحلول تخصيص ميزانية سنوية بنصف مليار دينار للعلاج بالخارج أسوة بعام الانتخابات، أو توفير خدمة التأمين الصحي الذهبي لجميع المواطنين حيث يمكن للمؤمن عليه أن يتلقى العلاج في أي مكان في العالم، وتكلفة هذا النوع من التأمين السوبر يساوي نصف ميزانية المقترح الأول، وثالثاً وأخيراً استيراد العلاج بالخارج من خلال جلب مستشفيات مقيمة بكامل طاقمها الطبي والتمريضي والفني والإداري وتطبيق فكرة العلاج بالخارج داخل الكويت، وتكلفة هذا المقترح أيضاً لا يتجاوز نصف ميزانية فكرة التأمين الذهبي.

ومن المحتمل جداً أن تشهد وزارة الصحة في ظل تطبيق إحدى هذه البرامج لبضع سنوات هدوءً غير مسبوق تستطيع من خلاله وضع خطط شاملة وإستراتيجية تمثل ثورة حقيقية لخدمة صحية متكاملة وفق إدارة حديثة يتفرغ لها أركان الوزارة والطاقم الطبي الكويتي.