عندما نصبح الرعيل الأول!

د. حسن عبدالله جوهر

24 أكتوبر 2014

عندما نذكر عبارة الرعيل الأول أو جيل الآباء والأجداد نجبر على الترحم عليهم ونثني على خصالهم ومآثرهم الطيبة، ليس من باب أنهم يمثلون موروثنا الاجتماعي وامتدادنا التاريخي، ولكن لأنهم قدمّوا لنا وطناً وأسّسوا مقومات دولة وبنوا مؤسساتها المختلفة، ولأنهم أخلصوا وأبدعوا وأنجزوا رغم كل المعوقات والصعوبات، فكانوا يعملون بلا نور الكهرباء ولا برودة التكييف وينتقلون إلى مقر عملهم إما مشياً على الأقدام أو على ظهور الدواب أو باستخدام عربات بدائية، وكانوا يجتهدون في العرء وتحت أشعة الشمس الحارقة أو على متن سفن خشبية تصارع الأمواج والعواصف، وكانوا يكافحون الفقر والعوز بمهن وصناعات يدوية فعرفوا من بين ما عرفوا بعوائل تحمل الحداد والقطان والبزاز والقلاف وغيرها الكثير.

كما نستذكر مع الرعيل الأول تلك اللنبات التي وضعها جيل آبائنا لمنحنا بلداً نفتخر بماضيه وريادته في الثقافة والفن وفي المؤسسات المالية والاقتصادية وفي الصناعة النفطية وفي العمران وتخطيط المدن وفي تدشين مؤسسات الطيران الحديث والناقلات البحرية وفي الرياضة وبناء الجامعات وفي وضع أسس الحرية والديمقراطية.

ورثنا من جيل ما قبل النفط وبعده باقة من الأخلاق والفضائل والصفات وفي مقدمتها الصدق والوفاء والتسامح والتعايش والتكافل والإخلاص والاحترام وأخيراً التفاني والإخلاص والنزاهة، ولهذا نتباهى دائماً بالرعيل الأول ونستذكرهم بالخير ونترحم عليهم وندعو لهم ونشكرهم شكراً وافراً على ما منحوه لنا.

لنتصور وضع أجيالنا القادمة بعد نصف قرن من الآن وكيف يستذكروننا باعتبارنا رعيلهم الأول؟ فهل يدعون لنا بالخير؟ وهل من مآثر يتناقلونها عنا؟ وما هو الموروث الثقافي الذي سيتحدثون بها عن تاريخنا وانجازاتنا وقد كنا أغنى بقعة على الأرض، نتمتع بكل أنواع النعم ونقضي صيفنا في ربوع أوربا ونركب أحدث وأغلى السيارات، وكنا نخدم بالشغالة والسائق والطباخ والزراع، ولكن كنا مع ذلك نعمل ساعتين في اليوم ويصاب عشرات الآلاف منا بالمرض المفاجئ قبل العطل الرسمية من أجل الطبيات وتمديد الإجازة، وكنا نبحث عن الواسطة لقضاء أي شأن من شؤون حياتنا، ومع ذلك تحولنا إلى أكثر الدول فساداً وأكثرها تخلفاً وعدنا إلى قاع الركب في التنمية، وفي عهدنا تفشت ظاهرة شراء الشهادات العلمية وشراء الأصوات والنواب القبيضة والسرقات المليونية في المنشآت العامة، وفي أيامنا تفشت الجرائم الأخلاقية والترهل الإداري، وفي جيلنا انقسم شعبنا بين شيعة وسنة وحضر وبدو وصرنا نخوّن نشتم بعضنا البعض ونتلذذ عندما يعاني الآخر، وشهدنا كل أنواع التزمت والتطرف، فهل مع هذا كله نستحق الشكر على كوننا الرعيل السابق أو يستوجب علينا الغضب واللعنة؟!