عندما يُفقد الخجل؟!

21 مارس 2017

د. حسن عبدالله جوهر

مجرد صدفة عابرة وعفوية كشفت عن أخطر الأمراض النفسية والقلوب المريضة في هذا المجتمع الصغير، ففي استطلاع تلفزيوني حول تطبيق خدمة التجنيد الإلزامي على الفتاة الكويتية، عبر مواطن ستيني وبكل تلقائية وببساطة عن رأيه وأجاد في إيصال وجهة نظره بأن المرأة قد تكون ضعيفة في تحمل المجهود العسكري، إلا أن لكنة الرجل وطريقة حديثه لم تعجب البعض، وسرعان ما تم تصنيفه من منظور طائفي ضيق، وبدأت التعليقات تنهال مع إسقاطات سخيفة وعبارات من الهمز واللمز حتى وصلت بعضها إلى موضوع كسب الجنسية الكويتية، ولكن السحر انقلب على الساحر وفضح سريرته حيث أن الرجل المستدف لم يكن المقصود!

قد لا نستغرب مثل ردود الفعل هذه في أجواء الاحتقان الطائفي، وعلى الرغم من أن هذا الحس المريض يعكس مدى هشاشة النسيج الاجتماعي والفشل الذريع في بناء كيان وطني يستوعب كل أشكال الانتماء العرقي والديني والقبلي، لكن أن يتصدر مشهد الاستهزاء والاصطياد في الماء العكر من يتباهون بوضع حرف الدال أمام أسمائهم ويزعمون أنهم يمثلون النخبة الدينية ويتدافعون أمام وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في التحليلات السياسية ومنها كيفية الحفاظ على الاستقرار السياسي فهنا تكمن الكارثة الحقيقية!

أن خطابي لهذه النوعيات من الناس ممن يلعق الشعارات الدينية: ألستم تدعون أنكم تقرؤون القرآن؟ فهل قرأتم قوله تعالى “لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم.. ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب”، وهل اطلعتم على أحاديث الرسول (ص) في النهي عن السخرية والتحقير واستصغار الآخرين واعتبار ذلك من المحرمات الملحقة لأذى الآخرين، ولعلهم يكونوا عند الله أعظم شأناً منكم، وهذا ما تحقق بالفعل.

فقد تبيّن أن الرجل الفاضل قد قدم فلذة كبده الشهيد عبدالرحمن الكندري فداءً للكويت، ماذا قدمتم أنتم؟ وقد استحق بسبب غيبتكم له وتجريحكم العلني له ولأسرته الأجر والثواب من رب العالمين بينما الحقتم بأنفسكم الإثم وجعلتم أسمائكم ورمزيتكم الدينية إلى أضحوكة فهرولتم إلى إلغاء تغريداتكم المخزية ودون أن تتحلوا بشجاعة وأدب الاعتذار!

إذا كانت من مآسي بعض المجتمعات وخاصة العربية والإسلامية الانغماس في مثل هذه التفاهات والرجوع في كل صغيرة وكبيرة على الأصل والفصل على حساب كرامة الإنسان وقيمته البشرية في البناء والتنمية المجتمعية، فأن سبب ذلك يعود إلى هذه النوعية المريضة التي تسعى تارة باسم الدين أو العصبية إلى هتك حرمة النسيج الاجتماعي لأهداف مجنونة ومآرب سقيمة، فمتى كانت اللهجة أو اللكنة تعيب أي انسان أو تنقص من قيمته كمواطن وأدائه بإخلاص وصدق، أليس هنري كيسنجر مهندس الاستراتيجيات الأمريكية لا يزال يتحدث الإنجليزية بلكنة ألمانية؟ وأليس أفضل وأشهر مذيع تلفزيوني أمريكي هو لاري كينغ الذي أبهر الإعلام العالمي عبر الآكسنت الروسي؟ وأليس الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق بطرس غالي من أدار شؤون العالم وهو يتحدث الإنجليزية بالطريقة المصرية؟

ناهيك عن حالات لا تحصى ممن تولوا وبلغوا القمة دون أن يستعروا من أصولهم أو دينهم أو ثقافتهم، فعليكم أنتم أن تستعروا من أمراضكم النفسية ومتاجرتكم في ديننا الحنيف وأخلاقنا الكويتية الأصلية!