عولمة المسلمين والكفار!

29 أبريل 2014

د. حسن عبدالله جوهر

عندما نتناول مفهوم العولمة وتطبيقاتها تصيبنا الدهشة والإعجاب بمدى تقارب شعوب العالم وتفاعلها المتبادل في شتى نواحي العلاقات الإنسانية، فالعولمة لم تعد تعني التشابك الاقتصادي وتشابه المؤسسات والثقافات وانتشار ذات المطاعم والملابس وتسريحات الشعر وغيرها من أنماط السلوك في الحياة اليومية.

العولمة تشمل أيضاً تدفق المعلومات بشكل مكثف وسريع عبر قارات العالم وتطور وسائل النقل والمواصلات والاتصالات بطريقة مذهلة، الأمر الذي يجعل الدنيا برمتها شاشة كبيرة ويحول ساكني الكرة الأرضية من أقصى الشرق والغرب وعلى امتداد الشمال والجنوب مشاهدين لعروضها في بانوراما خيالية تفوق الوصف.

أما الغاية الأبرز في فلسفة العولمة فتكمن في خلق ثقافة التجانس بين الأجناس البشرية مهما اختلفت خلفياتهم وانتماءاتهم ومذاهبهم وألوانهم، متباعدين كانوا في الرحاب الكوني الكبير أم استقروا في مكان واحد، وقد لفت انتباهي وبشكل ملحوظ أثناء زيارة سريعة في لندن أحدى صور هذه العولمة المصغرة التي تدعو للإعجاب من جهة وللأسى والمرارة من جهة أخرى.

شوارع العاصمة اللندنية وطرقاتها دائماً مكتظة بالبشر من كل حدب وصوب، بل أن هذا البلد العريق يأوي العديد من الجنسيات التي هربت من أتون الحرب والصراع في بلادها على مدى عقود طويلة من الزمن، ففي عقد الثمانينيات كان العراقيون والأكراد تحديداً ملفتين للنظر في أي مكان من ضواحي لندن، ثم بدأ تدفق الكروات والبوسنيين، وحالياً تجد الجنسية الصومالية والسودانية، وبالطبع غيرهم الكثير من مختلف دول العالم.

هذا التواجد التاريخي الطويل أذاب كل هذه الملل والشعوب في بوتقة واحدة مع من سبقهم من الفلسطينيين والهنود، وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل لافت في المحال التجارية العديدة خاصة على امتداد شارع اكسفورد، فكلما تدخل إحدى المتاجر والأسواق تجد الموظف العربي إلى جانب الموظفة اللاتينية والآخر الآسيوي مع الأفريقي، وهذا المسلم مع ذلك المسيحي أو البوذي، وتلك الفتاة المحجبة مع الهندي المرتدي عمامة السيخ، كل هذه الأجناس البشرية تعمل جنباً إلى جنب مع الإنجليز بكل تلقائية ونشاط ومهنية، تمتد بهم ساعات العمل الطويلة من الصباح حتى المساء وهم في محيط عمل صغير لا تفارقهم الابتسامة والأحاديث الودية والتعاون.

أمام هذا المشهد المذهل يتساءل المرء كيف يمكن لهؤلاء جميعاً أن يتعايشوا وفق هذا النمط من الحياة ويشكلوا نسيجاً بشرياً موزايكي المظهر، بينما لا نستطيع أن نتعايش نحن في بلداننا رغم وحدة ترابنا وهويتنا الوطنية، لا من حيث الكراهية والإقصاء، بل لدرجة قتل بعضنا البعض بالسيارات المفخخة أو بالسيوف والسكاكين، والسب والشتم من على الفضائيات ليل نهار، ونحن من نزل بين ظهرانينا القرآن الكريم الذي يتلوا من بين آياته العطرة “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”!

هذه المفارقة المؤلمة تثير تساؤلات عديدة لماذا الغرب “الكافر” بهذه الروح من التسامح بينما نحن “المسلمين” بهذه الدرجة من التخلف والتطرف؟ هل الخلل في ثقافتنا أو أنظمتنا السياسية أم في جيناتنا وموروثاتنا؟!