عيد.. “الله لا يغير علينا”!

24 فبراير 2017

د. حسن عبدالله جوهر

الأعياد الوطنية مناسبات مهمة ليس فقط لإظهار الفرح والابتهاج ولكن لتجسيد معاني الانتماء واستعراض مفاخر الوطن، ومثل هذه المفاخر لا نكون إلا بإنجازات تحققها مؤسسات الدولة والشعب ووفق آلية ومؤشرات تقيس مستوى هذه الإنجازات مقارنة بالسنوات السابقة أو بالمنافسة مع الدول والمجتمعات الأخرى.

اليوم نشهد الذكرى الـ 56 للعيد الوطني ويوم الاستقلال وكذلك مرور 26 سنة على التحرير من الاحتلال العراقي، أي أننا تعاقبنا بستة أجيال متتالية منها ثلاثة أجيال في عهد ما بعد التحرير، وإذا استعرضنا وضعنا الحالي وفق مؤشرات التنمية البشرية نجد حالنا في خطر لا يقل عن خطر الغزو الذي هدد وعصف بكامل وجودنا.

مؤشرات التعليم باتت عندنا الأسوأ منذ إنشاء مدرسة المباركية عام 1911 ومؤشرات الصحة تعكسها حقيقة أن مصاريف العلاج بالخارج تجاوزت ميزانية وزارة الصحة برمتها، أما مؤشرات الفساد فحدث ولا حرج فقد استقرينا في قاع منظومة مجلس التعاون وفي الحضيض على مستوى العالم، والمفاجأة أن هيئة مكافحة الفساد طلعت “فالصو” فأبطلتها المحكمة لأنها شرعت بطريقة فاسدة، وبعد إعادة تشكيلها يلاحق مجلس أمنائها بشبهات الفساد!

سياسياً ومن بعد التحرير، شهدنا أكثر من عشرة انتخابات عامة وعشرين حكومة وما زالت حالة الفوضى والارتباك سيدة الموقف، وأفضل بشارة سياسية زفها رئيس مجلس الوزراء للمواطنين مؤخراً هي فشل خطة التنمية التي تم رصد 36 مليار دينار لها في عام 2010! وبدلاً من تصدي مجلس الأمة لهذه الكارثة نجد التراشق النيابي والتهم المتبادلة والمؤتمرات الصحفية لنواب ضد نواب، ولأول مرة منذ التحرير صار لدينا سجناء رأي وملاحقات سياسية وقيود أمنية على مواطنين كويتيين!

النسيج الوطني الذي رسم أحلى لوحة في الإيثار والمحبة والهوية الكويتية الواحدة أثناء الاحتلال أصبح اليوم في غاية الهشاشة وما زال ينزف وأوصاله تقطع ليس من قبل الحكومة هذه المرة وإنما من الكويتيين أنفسهم، فكل فئة أو تيار أو حتى الأفراد أنفسهم صاروا يحددون معنى المواطنة ويصدرون صكوك الولاء الوطني، لدرجة لم تسلم أية فئة أو طائفة أو قبيلة من التشكيك والإقصاء في مشهد تفوح فيه رائحة الطائفية النتنة والقبلية المزكمة والفئوية القبيحة، وقد تركت الحكومة الحبل على الغارب ما دام الناس تأكل بعضها البعض، وصدر قانون الوحدة الوطنية كمجرد ديكور للتباهي دون أن يكون له أي قيمة أو طعم أو رائحة!

الحكومات المتعاقبة منذ عام 1992 وكذلك التيارات السياسية والنخب الفكرية والاجتماعية فشلت فشلاً ذريعاً في بناء هوية كويتية يلتحم الجميع فيها، وحتى التخطيط الإداري أو الفكر التنموي الذي طالما تميزت به الكويت صار من الماضي البائد، وأخيراً كأغنى بلاد العالم بدأنا نقترب من حافة الإفلاس المالي وبعد العجز المتتالي بدأنا نأكل من اللحم الحي ونستزف استثماراتنا التي جمعناها طوال نصف قرن لنصرفها في سنوات عجاف قليلة قادمة.

للكويتيين كامل الحق في الاحتفال بالأعياد الوطنية، ولعل ذلك من المناسبات القليلة للفرح والسعادة، ولكن لنضع أمام أعيننا حقيقة أحوالنا بكل جدية وبعيداً عن الشعار السياسي “الله لا يغير علينا”!