فرساي يا عرب فرساي!

13 نوفمبر 2018

د. حسن عبدالله جوهر

لم يذكر لنا تاريخ الكويت سوى ثلاثة حالات من الأمطار الغزيرة التي غرقت بسببها البلاد، أولها ما يعرف بالأمطار الرجبية عام 1872 ثم سنة الهدامة 1934 وأخيراً سنة الهدامة الثانية عام 1954، ولعل الأضرار التي لحقت بالناس وممتلكاتهم كان لها ما يبررها من نقص في الموارد والإمكانيات وغياب البنية التحتية، ولكن ما شهدتها الكويت يوم 6 نوفمبر من الصور المرعبة في الطرق السريعة والساحات الفضاء والمجمعات التجارية وبيوت السكن الخاص كفيل بتعرية الحكومة ليس لعدم وجود الاستعدادات الكافية لمواجهة حالات الطوارئ ولكن من المسرحية السخيفة التي تمثلت ببعض القرارات المضحكة وإقالة إثنان من المسؤولين لامتصاص غضب الناس.

الثلاثاء الماطر لم يكن اليوم الوحيد لغرق البلاد في شبر من الماء، ولا نحتاج أصلاً إلى سجلات التاريخ التي رصدت ثلاثة حوادث طوال 100 سنة في القرنين الماضيين، فالكويت خلال العشرين سنة الماضية تغرق مع كل رشة مطر، ونفس المنظر الذي شهدناه في 11 نوفمبر 1997 يتكرر باستمرار وأحياناً عدة مرات في الموسم الممطر الواحد، ولكن ما تحاول الحكومة بالاستهانة فيه هو الضحك على ذقون الناس وبكل سذاجة وسط موقف أكثر سخفاً من مجلس الأمة، المطبّل أحياناً لمثل هذه القرارات البطولية أو استغلال شغر بعض المناصب القيادية للتوسل بتعيين المقربين فيها.

كل الدول تعاني من حالات طارئة تفوق استعداداتها، وأحياناً تكون الطبيعة أكثر قسوة من الجميع، ولكن ليس في كل مرة كما هو الحال عندنا، فعجزنا المتكرر يدل بوضوح بأننا غارقين من زمان في تخبطات الحكومة وقراراتها وتعييناتها ودرجة كفاءة أدائها في الأزمات، وقد أغرقتنا معها في سيول من الفساد المنظم والمتواصل، ولذلك فأن عقلية ونهج وغرور الحكومة كسلطة تنفيذية محصنة من المحاسبة والعقاب هي سبب الأول والرئيسي وراء كل المشاكل، وما انسداد الطرق السريعة أو غرق السيارات والممتلكات أو الشلالات التي رأيناها في أحدث المشاريع الجديدة مثل صالة الـ” تي- 4″ في المطار إلا نتيجة طبيعية لفشل حكومي بامتياز.

أما محاولة لعب دور البطولة في إقالة بعض المسؤولين فأنها تعزز الفشل الحكومي نفسه، فكيف تم تعيين هؤلاء المسؤولين أصلاً؟ وهل تم ثبوت التهمة على قصورهم فعلاً؟ ومن هو البديل؟ وهل يعقل بأن تكون مؤسسة بحجم الهيئة العامة للطرق ليس فيها سوى مدير عام بلا موظفين؟!

إذا كان لدينا مجلس يحترم ناخبيه كنا نراه وبشكل سريع يتبنى مجموعة من الأسئلة البرلمانية أو لجان التحقيق لمعرفة كيفية وصول من تم إقالتهم لمناصبهم، وما هي المدة المتبقية لهم في هذه المراكز، ومن هي الشركات التي أوكل لها تنفيذ مشاريع البنية التحتية وصيانتها الدورية وقيمتها وشروطها الجزائية وطرق مقاضاتها في حالة القصور، وأخيراً تحديد مسؤولية مجلس الوزراء كمؤسسة يعهد إليها رسم وتنفيذ ومتابعة السياسة العامة للدولة، عندها يمكن أن تطهرنا أمطار السماء من ذنوب خيانة الأمانة بحق البلد والشعب وأمواله العامة !