فقر المبادئ وليس المال!

16 فبراير 2018

د. حسن عبدالله جوهر

أثار إعلان تبرع مجموعة من الجمعيات الخيرية لجهود إعادة إعمار العراق ودعم برامج الإغاثة الإنسانية في مدنها المنكوبة نتيجة عمليات الإرهاب ضجة إعلامية كبيرة ومواقف سياسية متباينة وجملة من التساؤلات حول المبالغ الكبيرة التي تمتلكها هذه الجمعيات ومصدرها وأوجه صرفها خاصة في الداخل حيث تعاني مئات الأسر من الفقر والحرمان والحاجة.

وبطبيعة الحال فقد طغى البعد السياسي على مشهد الجدل وتجاذب المواقف، سواءً على أصل فكرة مؤتمر إعادة إعمار العراق أو دور المساهمين فيه، وفتحت الكثير من الملفات والذكريات المؤلمة وفي مقدمتها الغزو العراقي وتصريحات بعض العراقيين المشينة بحق الكويت من جهة، وقصور الجمعيات الخيرية في الداخل الكويتي واتهامها بدعم الحركات والأنشطة المتطرفة وفي طليعتها الجماعات الإرهابية، حيث كانت التبرعات والمجاهرة بها بافتخار عبر الدعاية الإعلامية.

ومن المفارقات العجيبة أن من يعترض على تمويل إعادة الإعمار في العراق ويعتبر أن أموال الدولة أولى بأهلها وخاصة الطبقات الفقيرة، كان البعض منهم من أكثر المتحمسين لدعم جماعات وفصائل تحارب حكوماتها المحلية، ولم نجد أحد اعترض على التبرع السخي الذي قدمته الكويت للولايات المتحدة بمبلغ ٥٠٠ مليون دولار بعد إعصار كاترينا عام ٢٠٠٥، كما أن معظم التبرعات التي تقدمها دول العالم بما فيها الكويت تكون من حصة الدول ذات الحكومات الديكتاتورية والفاسدة إدارياً ومالياً كونها موجهة للشعوب خاصة في أوقات الكوارث والمحن، ولذلك فأن الاعتراض عادة يكون وفق مواقف سياسية تجاه هذه الدولة أو تلك.

ومن المفارقات أيضاً أن بعض من يعيب على الجمعيات الخيرية اليوم لأنها شاركت في المساعدات المالية للعراق كانوا من المحرضين على دعم الجماعات المسلحة بل أصدروا مختلف أنواع الفتاوى وباعوا جنات الخلد وقتها لمن يدفع الدينار لأولئك الذين بطشوا بالآمنين من البشر ونحروا الرقاب وشردوا العباد ودمروا بيوت الناس على رؤوسهم.

فشماعة الصرف على المحتاجين في داخل الكويت واعتبارهم الأولى بالرعاية ليست سوى الأداة العاطفية لتبرير مثل هذه المواقف السياسية، ومثل هذه الشماعة ناجحة جداً بالتأكيد، حيث تنتشر بالفعل صور تمزق القلب ألماً من حالات إنسانية في غاية الصعوبة لا تشمل الوافدين أو البدون مثلاً، بل حتى العوائل الكويتية، سواءً في المأوى أو طلب العلاج أو ما تصيبها من كوارث الحياة، وهذا أمر لا يمكن أن ننكره أو نتجاوزه.

لكن السؤال الأهم لماذا هذه الصور المأساوية أصلاً في بلد مثل الكويت؟ ولماذا تسكت عنها الأصوات المتعالية اليوم طوال سنوات؟ وأين كانت هذه الفزعة الباكية في محطات السرقات الكبرى والفضائح المالية المدوية؟ ألم تكن الكثير من الأبواق تطبل للحكومة وتدافع عنها؟ وأين كانت تلك الأقلام التي وقفت ضد أية محاولات لتحسين أوضاع الناس وآخرها قطع الدعم عن الوقود وفرض الضرائب والرسوم؟

مشكلتنا الحقيقية هو فقر المبادئ والأخلاق والمصداقية، وليس الفقر المالي في بلد ليس فيها سوى المال!