فيينا.. سكين السوري المسكين!

03 نوفمبر 2015

د. حسن عبدالله جوهر

وضع الملف السوري من جديد على محك المفاوضات في اختبار آخر لمدى جدية القوى العظمى ومن تحتها دول إقليمية لحفظ ما تبقى من كيان هذا البلد العربي الذي طالما كان أحد روافد العمق القومي وجبهة صامدة في وجه الاستعمار ومن بعده الكيان الصهيوني، واجتماع فيينا الأخير الذي جمع التناقضات الدولية ممثلة في الولايات المتحدة وروسيا والتقاطعات الإقليمية الحادة التي تمثلها السعودية وإيران وتركيا لعله الدليل وفي نفس الوقت الملاذ الأخير لجميع الفرقاء بأن لا أحد يستطيع أن يستفرد بسوريا على هواه وضمن مصلحته الضيقة.

رغم الجوانب الإيجابية في مؤتمر فيينا وعودة الأطراف “المتفرعنة” إلى خيار الحل السلمي، إلا أن بيانه الختامي يتضمن ما يدمي القلب حسرة وندامة، وينعكس ذلك في أمرين ظاهرها الرحمة لكن باطنها هو مكمن الشيطان، فقد أجمع المشاركون رغم تناقضاتهم بأن الشعب السوري هو وحده يقرر مصيره! وإذا كان الأمر كذلك فلم حرم هذا الشعب الذي تناثر بين قتلى ومعاقين ومشردين ولاجئين وصلوا إلى كل أنحاء العالم من تقرير مصيره قبل كل هذه المآسي، بل ماذا سيكون موقف الدول، التي قدّمت كل التسهيلات والدعم والغطاء السياسي لجماعات المعارضة الإرهابية منها والمعتدلة، لو اختار الشعب بشار الأسد في انتخابات حرة ونزيهة تشرف عليها الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج؟! وبالمقابل ما هو رد فعل الحكومات التي ساندت النظام السوري لو اختار الشعب داعش وأخواتها للحكم؟! وهل الاكتفاء بالقول نحترم القرار السوري يعوّض هذا البلد وشعبه لحظة واحدة من لحظات الرعب والقتل والدمار التي شهدوها قرابة نصف عقد من الزمن؟ وأين تصرف مثل هذه التصريحات لاحقاً؟!

النقطة الثانية في بيان فيينا التي تنص على أن الجميع يتحمل مسؤولية محاربة داعش وبقية الجماعات الإرهابية هي المضحك المبكي، فالروس والإيرانيون والصينيون شككوا في التحالف الأمريكي الذي تشكل قبل سنتين لمحاربة الدواعش، وفي مقابل يقف الغرب وتركيا والخليج بقوة في وجه العمليات العسكرية الروسية لقتال داعش أيضاً! فإذا كان داعش هو العدو المشترك فلماذا الاختلاف على مواجهته على الأرض السورية؟!

أسئلة قد تبدو محيرة والإجابات عليها متناقضة، لكن في عالم السياسة الدولية هذه هي قواعد اللعبة مهما كان الثمن الدامي الذي تدفعه الشعوب، فالمسألة ببساطة ليست التباكي على الشعب السوري وحرية اتخاذ قراره ومصيره، والهدف ليس قتال داعش واستئصاله من سوريا وبقية الدول العربية، وإنما مصالح الدول الكبرى والقوى الإقليمية هي الأصل وهذه التبريرات مجرد أدوات لاستمرار اللعبة وسياسة كسر العظم، وحتى يكسر العظم لا بد من قطع كل اللحم الذي يغطيه، وهذا اللحم هو الشعب السوري الذي لا زال منه بقية لابد من قصها تباعاً، وإلا هل من الصعوبة قيام جيش عالمي يضم الروس والأمريكان والسعوديين والإيرانيين والأكراد والأتراك وبتمويل خليجي وياباني وأوربي سخي لإنهاء داعش؟ إذا أخذنا تجربة تحرير الكويت كمثال النجاح فلا يمكن أن نشك لحظة في الفوز الحاسم والسريع للإرادة الدولية إذا ما توفرت ضد دواعش الشام والعراق والخليج وشمال أفريقيا ووسطه، لكن السكين اختار السوري المسكين!