الثلاثاء 13 نوفمبر 2007

في ذكرى دستور 1962..

د. حسن عبدالله جوهر

مرت الذكرى الـ45 على إقرار دستور 1962 وسط عواصف من الاضطراب السياسي وأجواء الاحتقان والتأزم كادت أن تضع البلد على كف المجهول من جديد، ولكن رغم ذلك لم تكن الأيام الماضية طفرة طارئة أو مفارقة عابرة خلال العهد الدستوري بعقوده الأربعة!

فطوال سنوات طويلة قضيتها في الحياة الأكاديمية كطالب في العلوم السياسية ومدرس لمقرراتها وباحث في بعض تخصصاتها العلمية لم يلفت انتباهي أن دستور دولة قد تعرض إلى التحريض المستمر ومحاولات الإجهاض والسعي إلى الانقلاب عليه أو تفريغ محتواه وتعطيله مثل الدستور الكويتي، ولم تخلو السنوات الـ45 الماضية من حالات التأزم والتوتر السياسي وبدرجات مشابهة وقريبة من أحداث الأسابيع القليلة الماضية، والمفارقة الوحيدة التي استمرت طوال العهد الدستوري ومطباته السياسية هي التباهي بالدستور بغية التلميع الاجتماعي وتزيين مناسباتنا الرسمية والوطنية بكلمات بروتوكولية في التغزل بالديمقراطية والتمسك بهذه الوثيقة القانونية!!

وصحيح أن الدستور الكويتي كأي دستور وضعي ليس قرآناً منزلاً وقد لا يكون معياراً للمثالية السياسية والإنسانية ولكنه يظل محل احترام وهيبة تصل إلى حد القدسية فيما يخص ضرورة الانصياع لمواده والحفاظ على قواعده ما دام نافذاً.

وقد نتفق في مساحات كبيرة جداً على ما جاء في دستور 1962 وخاصة ما يتعلق بالمبادئ العامة والحقوق المدنية والحريات وروح التعددية وتقدير الإرادة الشعبية والحفاظ على الثروة والأموال العامة وتجسيد سيادة القانون، وقد نختلف حسب مصالحنا واجتهاداتنا الخاصة فيما يخص الصلاحيات والأدوات الدستورية وممارستها العلمية وتفعيلها سياسياً، ولكن يبقى الحد الأدنى هو المحافظة على هذه المرجعية العقدية مهما بلغت تلك الاختلافات، وهذا هو سر استمرار الأزمات المتلاحقة منذ عام 1963 حيث يبدو جلياً أن الخلاف ليس بالاجتهادات المتباينة وإنما في القناعات المتناقضة، فالدستور ولد في ظل وجود واستمرار من لم ولن يؤمن به، وما دامت مثل هذه القناعة باقية فلا مناص من دوام الخلاف والجدل حول أصل الدستور وسوف تستمر تلك المحاولات لضربه ووأده والانقلاب عليه وتعطيله، وهذا ليس ضرباً من الخيال أو الوهم أو التجني دون دليل.

فخلال العهد الدستوري تم تعطيل الدستور لمدة 15 سنة وهي فترة تمثل ثلث الحقبة الديمقراطية شهدت إما من خلال تزوير الانتخابات العامة أو وقف العمل بمواد الدستور صراحة أو فرض بديل للسلطة التشريعية من خارج رحم الدستور ومحاولة تنقيحه من جانب واحد ناهيك عن التحريض المستمر على الديمقراطية وترويج الإشاعات وبالونات الاختبار لحل مجلس الأمة للأبد.

ولأهمية الدستور وحتمية الدفاع عنه وحمايته يكفي فخراً لهذه الوثيقة التاريخية والأب الروحي للديمقراطية الحديثة المرحوم الشيخ عبدالله السالم أنها احتضنت على مدى نصف قرن من الزمان المؤمنين بها والحاقدين عليها على حد سواء، ووسعت الديمقراطية جميع الأطياف لممارسة السياسة على ملعبها وتحت غطاء شرعيتها وقانونيتها ومرجعياتها، فهل يبقي هذا الفضل شيئاً من ماء الحياء على وجه أعداء الدستور وسلابة الديمقراطية؟!