قانون الضياع العام!

06 مارس 2018

د. حسن عبدالله جوهر

الاقتراح بقانون بشان العفو العام، وفق صياغته الحالية وبعض الأسماء المشاركة في تقديمه، تعكس حالة الضياع السياسي، ولا يتعدى كونه متاجرة برلمانية حيث أن نتيجته المتوقعة والمحسومة سلفاً مخيبة للآمال.

نقول للسادة الأعضاء مقدمو الاقتراح هل أدركتم الآن لماذا لم تقدم الحكومة على مبادرة العفو العام رغم التحركات المستمرة والوعود المغلفة ومن خلف الكواليس؟ وهل عرفتم أن الجواب على ذلك ليس أن الحكومة يدها في الماء البارد وتقف اليوم على رأس مشهد سياسي تشعر بنشوة الانتصار، ولكن إحجامها عن لعب هذا الدور مقصود لوضعكم في هذا الموقف المضحك؟ وأن حتى النواب ممن كان يعوّل عليهم كبصيص أمل في الانتصار للكرامة السياسية واستعادة النغمة الوطنية من جديد قد سقطوا في الاختبار؟

في الاقتراح المعيب الذي اختزل مفهوم العفو العام في أحداث 16-17 نوفمبر 2011، قد يدرك أصحاب القانون أكثر من الجميع أن مشروعهم قدّم ميتاً، بل حتى لا يحقق أدنى درجات إسقاط تكليفهم السياسي، فهذا المشروع لا يخدم سوى تكريس ظاهرة التشتت والانقسام والمحافظة عليها ولو عبر الأدوات التشريعية، والعتب هنا أشد على مقترحي هذا القانون ممن وصلوا إلى قبة البرلمان من رحم الحراك الشعبي بين عامي 2011-2012، بل كانوا من الأقلية في هذا الحراك الذي كان يسير عكس التيار في تغليب الطرح الوطني وإيصال رسالة بأن جمهور المطالبين بالإصلاح السياسي ومحاربة المقدسين وتطبيق مبادئ العدالة يمثلون نبض المجتمع الكويتي بكل مكوناته وبعيداً عن الحسابات والانتماءات القبلية أو المذهبية أو العرقية وحتى الأيديولوجية والفكرية، ولكن مع الأسف لم يواصلوا هذا الدرب، واقتراحهم لا يتجاوز كونه مطالبة بعفو خاص ثم انتقائهم بشكل مكشوف، ولم يرحموا بذلك مئات المعتقلين والملاحقين من النشطاء والمغردين الذين دفعوا ثمن تأييد ذلك الحراك بالكلمة والتغريدة وإبداء الرأي.

أصحاب هذا المقترح يفترض أن يكونوا على درجة من الوعي والحصافة السياسية بأن مبادرتهم ذات “الخصوصية المتعمدة” سوف تقود إلى طرح اقتراحات مثيلة ذات “خصوصية متعمدة” أيضاً لتبدأ معهما معركة نيابية لا تنتج سوى “مغلوب ومغلوب”، وهذا ما حصل بالفعل حيث تم تقديم اقتراحات جديدة تحمل العفو العام في عناوينها ولكن محتواها لا يتعدى عفو خاص تم انتقاء المشمولين به وأيضاً بشكل مكشوف.

بهذه العقلية السطحية سوف يسري هذا النفس الضيق والمكابرة على ما سيأتي من اقتراحات جديدة يزعم أصحابها بأنها تهدف كسر القيود على الحريات واستعادة مفهوم الصحافة الحرة والفضائيات ذات الطرح الجريء وإعادة الشجاعة المسؤولة لوسائل التواصل الاجتماعي، ومآلها وبحسب المشهد الحالي حتماً إلى الصقر، ليبقى السجناء في زنازينهم وتبقى الأفواه مكممة ويبقى الناس تأكل بعضها البعض ولكن باحتقان أكبر.

لكن الحسرة الأكبر هي هذا المستوى من الضياع السياسي وفقدان الأمل يوماً بعد يوم في مستقبل أفضل يحمل الصفاء الوطني ورجوع ريادة الديمقراطية الكويتية وتاريخها الذي بات بعض نوابنا يمسح جزء جديد منه كل يوم!