الجمعة 18 أبريل 2008

كفى بالونات اختبار ضد الديمقراطية!

د. حسن عبدالله جوهر

يبدو أن الصراع بين الديمقراطية وأعدائها في الكويت أزلي ولا تبدو مؤشرات استلام خصوم الحريات للواقع الحضاري قريبة، فمنذ العمل بالدستور في عام 1963 لا تزال عمليات التحرش ضد الديمقراطية قائمة بأشكال وصور متعددة وتصل في بعض الأحيان إلى حد تكون مكشوفة ويشم منها رائحة التحدي والمكابرة.

ومرسوم التجمعات يعتبر إحدى مصاديق هذا التحدي ليس في أصل فلسفة الفكرة التي تتعارض مع مبدأ الحريات وليس لعدم دستوريتها بحكم المحكمة الدستورية فحسب وإنما بتوقيت إصداره من قبل الحكومة منفردة وفي غياب السلطة التشريعية، وإذا أخذنا الموضوع بحسن النية السياسية فأقل ما يمكن قوله بأن قرار من هذا النوع وفي مثل هذا التوقيت لا يمت إلى الحكمة السياسية بصلة بل لعله أفسد حلاوة الجو الشعبي الذي خلقه قبل أيام فقط من إصرار الحكومة على تطبيق القانون على الجميع في قضية إزالة التعديلات على أملاك الدولة بما في ذلك الدواوين التي شملت علية القوم من شيوخ ووجهاء وأعضاء مجلس الأمة وغيرهم.

أما إذا أردنا أن نحلل قرار منع التجمعات بعمق سياسي أكثر فالأمر يكون في غاية الخطورة ويدعو للقلق على مستقبل الديمقراطية في الكويت، تلك الديمقراطية التي لا يريد لها البعض من أهل الدار الاستمرار وبتحريض وتشجيع من أطراف خارجية تعتبر الديمقراطية الكويتية مصدر إزعاج دائم! وفي هذا الإطار فقد يكون مرسوم الضرورة بمنع التجمعات بالون اختبار جديد ضد الديمقراطية ومقدمة لمزيد من التجرؤ والتطاول على الثوابت الدستورية الأخرى، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً بعد ردود الفعل الشعبية القوية والإجماع الكويتي في رفضه مما أدى إلى تراجع لحكومة عنه، وهنا نقول لأصحاب القرار كفى بالونات اختبار ضد الديمقراطية ولعل الرسالة الشعبية خير دليل على ذلك، فالرفض القاطع لقانون التجمعات وفي هذا الوقت تحديداً حيث السخط الكبير على مجلس 2006 لم يمنع القوى السياسية ومن خلفها الرأي العام الكويتي من الإفصاح بقوة عن موقفهم ضد تجزئة الديمقراطية أو محاولة إفراغها من أركانها الرئيسية وقواعدها المبدئية.

ويجب أن تعي الحكومة وهي الشريك الدستوري الأول لمجلس الأمة بأن السلطة التشريعية تعبير عن رمزية الديمقراطية، وأنه في حالة تقاعس أعضائها عن القيام بواجباتهم الوطنية فأن الناخبين يقومون بدورهم الدستوري في تغيير هؤلاء الأعضاء وليس بإلغاء المؤسسة التشريعية كونها من الثوابت وليس من المتغيرات.

فمن المعيب سياسياً أن تستمر الحكومة ومن يحرضها في هذه اللعبة الخطرة في كل مرة والمراهنة على إمكانية اختراق الشعب بتمرير ما من شأنه أن يهدم معاقل الديمقراطية، بل والأخطر من ذلك هو قراءة توقيت إصدار قانون منع التجمعات أثناء ترويج إشاعات إلغاء الانتخابات وتعطيل الحياة الديمقراطية كإجراء لمواجهة ردود الفعل إزاء الحل غير الدستوري لمجلس الأمة، وهنا تكمن الطامة الكبرى إذا كانت الحكومة تفكر ولو من باب الخيال السياسي في مثل هذا الخيار، خصوصاً في ظل وجود أطراف يحملون هذا النفس المعادي للديمقراطية في دهاليز اتخاذ القرار، وهم بلا شك بطانة سوء لا يضمرون للبلاد سوى الشر من أجل منافعهم الخاصة.

ورأفة بالبلاد والعباد نناشد سمو رئيس مجلس الوزراء الذي بدأ يعزز موقفه ومصداقيته في قلوب الكويتيين أن يرسخ جبهة الثقة الشعبية من خلال تطهير بقايا أعداء الديمقراطية من المقربين والمستشارين وخفافيش الليل من أروقة اتخاذ القرار، فالديمقراطية الكويتية هي الرقم الوحيد الذي لا يقبل القسمة على اثنين!!