الثلاثاء 19 فبراير 2008

كوسوفو.. ورحلة الشقاء!

د. حسن عبدالله جوهر

إعلان استقلال كوسوفو عن صربيا بشرى بولادة دولة مسلمة جديدة انتظرت هذه اللحظة على مدى قرن من الزمن! فقد كانت كوسوفو وكغيرها من الكيانات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم ضحية المعادلات السياسية الكبرى كطرف أضعف في الصفقات الإقليمية والعالمية وإرضاءً لمصالح وأولويات القوى العظمى، وبالنتيجة فقد عانى هذا الشعب الألباني وعلى مدى مائة عام مرارة الإذلال والاضطهاد والابتلاع الصربي بصرف النظر عن الأيديولوجية السياسية التي حكمت بلغراد، بدءً بالسلطات العسكرية ومروراً بالماركسية الشيوعية وانتهاءً باليمين العرقي المتطرف الذي كان الأشد فتكاً خلال العقدين الماضيين.

وعندما كان العالم يحتفل بمشاريع الولادة الجماعية للدول والكيانات السياسية المستقلة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بسلاسة وعن طيب خاطر وبمباركة المجتمع الدولي، كان مثل هذا الحق محرماً ليس على إقليم كوسوفو فحسب بل على الكيان المسلم الأكبر في الاتحاد اليوغسلافي السابق متمثلاً في البوسنة والهرسك، إذ لم تشهد البشرية منذ الحرب العالمية الثانية جرائم منظمة في الإبادة الجماعية والقتل والتشريد والاغتصاب والتمثيل مثلما حدث للشعب البوسني، ولحقت كوسوفو بهذا الركب فكانت الامتداد الطبيعي والبديل المناسب للبوسنيين لاستمرار تلك الجرائم بعد إعلان استغلال البوسنة والهرسك في منتصف العقد الأخير من القرن الماضي.

ومن يستعرض الويلات التي تعرض لها الشعب الألباني في كوسوفو يدرك ضرورة وأحقية هذه الأمة المغلوب على أمرها في المطالبة بالاستقلال، فالحرب على الكوسوفيين لم تكن مجرد إخماد تمرد أو المحافظة على سيادة جغرافية من قبل الصرب، بل كانت بدوافع استئصال هذا الكيان البشري وطمس هويته وخدش أهم مقدساته كمجتمع مسلم، حيث سجلت حالات اغتصاب للنساء على اختلاف فئاتهن العمرية وأمام مرأى أبنائهن وأزواجهن أرقاماً لم يسجلها التاريخ الإنساني الحديث.

ولعل الحرج الشديد الذي وقع فيه الاتحاد الأوروبي في ظل عصر العولمة والانفتاح والغزو الفضائي بسبب الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، وانهيار الحاجز النفسي وحائط السد التي حاولت قوى أوربا الرئيسية بقيادة فرنسا من خلاله منع وجود مجتمعات أو دول إسلامية في قلب القارة الأوربية بعد استقلال جمهورية البوسنة والهرسك وفرض تركيا نفسها كأمر واقع على الساحة الأوربية سبباً رئيسياً في تأييد استقلال كوسوفو.

أما هذا الكيان الصغير بحجمه وعمره الميلادي فيقف أمام مفترق طرق صعب، فهل سيحافظ على هويته الألبانية الإسلامية في بحر جديد وعميق مثل أوربا وأمام مغرياتها المادية والثقافية وفي ظل الاستحقاق السياسي لدعمها، مثلما حافظ على تلك الهوية وأصالتها تحت براثن البطش والإرهاب الصربي؟ وهل تسجل الدولة المسلمة الجديدة نجاحاً أمام تحدياتها القادمة كدولة تحتضن طموحات وآمال شعب طال انتظاره أم أنها ستضيف جملة من المآسي والإخفاقات إلى رصيد العالم الإسلامي؟!