الطليعة 14 أغسطس 1996

لا تدقوا الطبول لأمركة الخليج!
وتيرة التصعيد الإعلامي والسياسي والمصاحب أيضاً لحالة التأهب العسكري في منطقة الخليج ليست بجديدة على هذه البقعة ولن تكون بطبيعة الحال آخر المطاف ما دامت المنطقة تحتضن مليارات البراميل من النفط الخام والذي تحتاج إليه بإلحاح قوى العالم الصناعي قاطبة، ولكن الجديد في التصعيد الإيراني- الأمريكي الأخير، وهو أمر بالغ الخطورة والجسامة في كل الأحوال، أن المبادرة في افتعال هذا الضجيج كانت أمريكية المنبع والاختيار، بمعنى آخر، ظلت سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة سياسة ردود أفعال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الغزو العراقي لدولة الكويت، ولكنها تحولت إلى سياسة المبادرة والتحرك أولاً منذ تحرير الكويت من الاحتلال العراقي. وهذا التحرك بحد ذاته مؤشر واضح على سعي الحكومة الأمريكية من أجل فرض الطريقة الأمريكية للتعامل مع منطقة الخليج والسيطرة الكاملة على تسيير الأحداث الخاصة بها وفق المنطق الذي ترتئيه واشنطن.

وقد انعكست هذه الرؤية الأمريكية بوضوح منذ بدء ما يسمى بمسيرة التسوية بين العرب وإسرائيل في أعقاب مسرحيات الصلح المنفرد واشتدت الرؤية وضوحاً بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي أوصلت الجناح الصهيوني المتشدد للحكم في قلب العالم العربي. وتتمثل الإرادة الأمريكية في التحكم بشؤون المنطقة من خلال غرس أدبيات خاصة بالبيت الأبيض في المنطقة خصوصاً المفهوم الأمريكي عن الإرهاب وميزان التسلح والأصولية والمشاركة السياسية والسلام وغيرها من أوتاد فرض القطب الأحادي للولايات المتحدة على زعامة ما يعرف بالنظام الدولي الجديد.

ومن الطبيعي أن تتصادم مثل هذه الإرادة الأمريكية عاجلاً أم آجلاً مع توجهات وطموحات وحتى المعتقدات السياسية لشعوب المنطقة لسبب بسيط هو أن ما تريد الحكومة الأمريكية فرضه من مفاهيم للسلام أو احتواء الخطر الإسلامي أو الإرهاب بالمقياس الأمريكي لا ترمي سوى لتحقيق بعض المصالح الضيقة لحفنة من اليهود الذين تشبعوا بجوهر الإرهاب والأصولية والعنصرية وجسدوا صور ومصاديق الإبادة والتشريد ودهس حقوق الإنسان.

وعى الرغم من هذه العنجهيات تتحدى الولايات المتحدة، وهي الداعية إلى اعتناق الديمقراطية وحكم الأغلبية، مشاعر وإرادة أكثر من ربع سكان العالم إرضاء لغطرسة شرذمة يهودية مزروعة بالإكراه في أرض ليست لها وبهذا الشكل السافر، فمن المؤكد أن تستيقظ الضمائر يوماً ما أو أن تنضج مستويات الوعي السياسي لتجد الشعوب نفسها في صراع مع الأمريكان أصحاب الوجهة الصهيونية.

إن ما تشهده الخليج حالياً ليس سوى تطبيق على محاولة الحكومة الأمريكية لأمركة الخليج بشكل لا يخدم حتى الشعب الأمريكي نفسه وهو شعب جبل على العناد والإصرار والإنتاج والإبداع وإنما خدمة لدولة مصطنعة، وسواء كانت إيران هي الطعم الذي ترمي الإدارة الأمريكية المنقادة لضآلة خبرتها الدبلوماسية للسيطرة الصهيونية بالكامل أو لم تكن كذلك، فإن دول الخليج العربية لا ناقة لها ولا جمل في هذه المسرحية الأمريكية الصهيونية وليس أعضاء مجلس التعاون الخليجي طرفاً في المقابلة الأمريكية الإيرانية ولكنها بالتأكيد الوقود الذي ترغب الحكومة الأمريكية الاستمرار بواسطته في خط المواجهة والجيب الذي ترغب أن تمول عن طريقه، وإلا كيف يمكن أن نعصم الولايات المتحدة وإسرائيل من مؤامرة جديدة في حين يقف العالم برمته في وجهيهما.

إننا لا نعتقد بالإمامة المعصومة للتحالف الأمريكي الصهيوني في الشرق الأوسط ولا نعتقد بأن أوروبا بدولها المتعددة واليابان والصين وروسيا والهند وتركيا واندونيسيا والباكستان عديمة الحس وساذجة عندما ترفض الهيمنة الأمريكية. فلماذا ننصاع نحن في الخليج إلى هذه الهيمنة دون حتى أية ضمانات للأمن والاستقرار حتى ونحن في أحضان الولايات المتحدة.

المشكلة لا تقف عند هذا الحد وحسب ولكن في بوادر ظهور بعض الأبواق والطبول المحلية التي تقرع الأجراس لنشر أدبيات الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة سواء بالترويج الإعلامي أو من خلال زرع بذور الفتنة والفرقة الداخلية أو عن كريق ترديد مقولات اليهود والصهاينة بلغة ببغائية لا تدرك عمق ونوايا هذه الترديدات، وإن من شأن هذه اللغة الطبلية تسييل لعاب الإدارة الأمريكية لممارسة مزيد من الضغط والهيمنة على المنطقة وهذا ما كانت تراهن عليه الولايات المتحدة منذ دخلت المنطقة بدعوة من دولها وحكوماتها حيث ترغب الآن بالصول والجول بحرية بناء على دعوة من شعوب المنطقة، فمن خلال هذه الدعوات غير البريئة تسعى واشنطن إلى التشفي من المواقف الصامدة والرافضة لحلفائها الأقوياء مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان  وحتى تركيا وباكستان من سياستها التصعيدية في الخليج، فهل يعي الطبالون لأمركة الخليج دروس الرقص لصدام حسين بالأمس القريب.