لغز سوق المباركة!

29 يناير 2019

د. حسن عبدالله جوهر

مشاهد الفوضى وعدم المبالاة تحولت إلى ظاهرة طبيعية ولم تعد تحرك أي مشاعر عند المسؤولين، كما بات المواطن يكتفي بـ”التحلطم والتحوقل” المؤقت لينتهي دوره عند هذا الحد، ومن صور هذه المأساة مسخرة سوق المباركية الذي أصابه الشلل التام بسبب الإضراب على خلفية رفع الإيجارات بشكل خيالي بينما الحكومة ساكتة على عمرها كالعادة وكأن شيئاً لم يكن.

كتبنا في هذه الزاوية قبل أكثر من سنة عن نفس الموضوع خلال الإضراب الأول وتعهدات سمو رئيس مجلس الوزراء لأصحاب المحال والأكشاك والبسطات لفتح محلاتهم مقابل معالجة الأمر، وقلنا وقتها بأن وعود الحكومة مجرد إبرة بنج وبيع للوهم ولن تقوم بأي شيء يحمي حقوق الناس، وهذا ما نراه اليوم على أرض الواقع، الأمر الذي يتطلب معرفة السر وراء هذا التقاعس الحكومي.

قد يفسر البعض سكوت الحكومة بشأن سوق المباركية بخوفها أو محاباتها للتجار، وقد يعتبره البعض الآخر جزء من التخبط والتخلف الإداري، وهذه التبريرات بالتأكيد صحيحة ولكن بشكل جزئي وتعكس طبيعة الأداء الحكومي، لكن الحقيقة الكاملة في هذا الخصوص تكمن في مدى تغلغل أخطبوط الفساد في مختلف مرافق الدولة وأمام نظر الحكومة إن لم يكن بالتنسيق والتواطئ من قبل بعض المسؤولين في الجهاز الحكومي نفسه.

فعلى سبيل المثال، كيف تجرؤ شركة تسلمت بموجب عقد مبرم مع الحكومة لإدارة وتشغيل وتطوير مرفق سوق المباركية أن ترفع إيجارات محلات تجارية تابعة لأملاك الدولة؟ ومن أعطاها هذا الحق؟ ووفق أي سند قانوني يجوز لشركة خاصة أن تتدخل في سيادة الدولة وأموالها؟

فهل تعلم يا سمو رئيس مجلس الوزراء ومعالي وزير المالية بأن عقد إدارة سوق المباركية يخضع لأحكام القانون رقم 105 لسنة 1980 باعتبار مدة سريانه لا يتجاوز (10) سنوات، وبموجب أحكام هذا القانون لا يجوز أن تقحم الشركة نفسها بمسألة الإيرادات.

يبدو أن الحكومة النائمة في العسل ومجلس المعازيب أغمضوا عيونهم عن الشركات التي تدير المرافق الحكومية وفق قانون أملاك الدولة قصيرة المدى يطبقون قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص رقم 116 لسنة 2014 المعروف بـ (ب ب ب) المخصص للمشاريع الاستراتيجية التي يمتد عقودها إلى 25 سنة؟ فاسألوا في ذلك ديوان المحاسبة وراجعوا تقارير الميزانية السنوية لتبيان هذا الأمر.

يمكن تفسير لغز سوق المباركية بأن  مشاريع (ب ب ب) يطبق عليها قانون أملاك الدولة لأنها بين التجار والتجار حتى لا ترفع إيجاراتها، بينما بسطات المباركية، على الرغم من أنها عقود أملاك الدولة أقل من 10 سنوات فيطبق عليها قانون (ب ب ب) لأنها بين التجار وعوام الناس، لذلك الأكل منها يكون من “الشق للشق”، تمهيداً لتطفيش الفقراء وتحويل المباركية إلى مولات حديثة تدر عشرات الملايين.

يا سمو الرئيس إذا لم تكن قادراً على حماية حقوق الناس البسطاء، وإذا كنت عاجزاً على تطبيق القانون، فعلى الأقل حافظ على هيبة اسم جدك الكبير في سوق المباركية كأهم معلم من معالم الكويت التجارية والتراثية!