12 أغسطس 1996

لماذا التسخين السياسي في الخليج من جديد؟
تشهد منطقة الخليج من جديد أجواء سياسية وعسكرية ساخنة جداً ومرشحة لمزيد من التصعيد وربما الصدام المسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وجمهورية إيران الإسلامية من جهة أخرى، وهذا ما يعني استمرار منطقة الخليج في الشوي على مقلاة المصالح الأمريكية وعلى الطريقة التي يختارها طباخو البيت الأبيض، ومع ارتفاع حرارة الصيف الحارقة في المنطقة تصاعدت اللغة الهجومية وتبادل الاتهامات وخلق أو اختلاق التبريرات التي من شأنها مجتمعة تلبيد سماء الخليج بسحابة صيف أخرى لا تدعو للاستبشار، فقد شهدت المنطقة سحباً صيفية مماثلة لم تنقشع إلا بعد أن أفرغت حممها النارية على مقدرات وخيرات الشعوب الخليجية وسلبت أمنهم وأمانهم وحصدت الأخضر واليابس من حقوق النفط وإيراداتها الضخمة تاركة المنطقة برمتها في حالة تقهقر مدني وتنموي يربو على نصف قرن من الزمان.

وعلى الرغم من استمرار أجواء الصراع السياسي والأيديولوجي بين واشنطن وطهران منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 لم يرتق مستوى هذا الخلاف إلى حد التهديد بإشعال نار المواجهة العسكرية كما واشنطن، ولا تحتاج للكثير من الوعي السياسي والتحليل الموضوعي لنفهم بأن لغة التهديد والوعيد الأمريكية قد انبرت بقوة بعد وصول تكتل الليكود اليهودي للحكم في إسرائيل وإصرار زعيمها المتطرف بنيامين نتنياهو على ضرب إيران وتأكيده على ذلك خلال زيارته الأولى لواشنطن، ومما يزيد انحناء الإدارة الأمريكية الراهنة أمام الإرادة الإسرائيلية الحالية الموقف العلني الذي اتخذه الرئيس بيل كلينتون وموظفوه مع شمعون بيريس خلال الانتخابات الإسرائيلية ومحاولة الأمريكان جبر خاطر الليكود لانتزاع مكاسب انتخابية على الساحة الأمريكية هذه المرة، وفي الوقت نفسه تراهن واشنطن على ورقة التهديد ضد إيران مخلخلة الموقف السوري-اللبناني في مفاوضات ما يسمى بالتسوية السلمية حسب المزاج الصهيوني.

أما السبب الرئيسي ولعل الأهم  في التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران فيكمن في فشل الولايات المتحدة الأمريكية من عزل إيران إقليمياً أو دولياً كما أخفق المشروع الأمريكي في مقطعة الشركات الأمريكية لجميع الأنشطة التجارية والاستثمارية مع إيران، وعلى العكس فقد تحولت العلاقات الإيرانية الروسية إلى جبهة إستراتيجية وكذلك علاقات إيران مع الصين وحتى أوربا الغربية، كما أصبح لإيران نفوذ واضح في آسيا الوسطى والبلقان وأفغانستان، وشهدت العلاقات بين دفتي الخليج أيضاً تطوراً إيجابياً ملحوظاً وفتحت قنوات الحوار مع مصر، وإزاء كل هذه التطورات فشلت الجهود الأمريكية في إلصاق تهمة الإرهاب وتشديد الخناق على إيران سواءً على الصعيد الإقليمي أو العربي-الإسلامي أو العالمي، وذهبت جهود قمة شرم الشيخ وقمة ليون في عكس مبتغيات واشنطن وإسرائيل، ومن هنا كانت النبرة الحديدية والخطيرة في التصعيد المباشر للهجة وبدأ الإعلام الأمريكي يروج لفكرة وجود عمليات إرهابية وشيكة ضد أهداف وجنود أمريكان على طول الخليج وإصرار واشنطن على وجود أدلة ومؤشرات على تسرب رائحة الإرهاب المقبلة.

ومن المؤكد أن محاولة إثارة الرعب وخلق أجواء من الخوف في المنطقة تشكل الغطاء السياسي لفرض الطريقة الأمريكية للتعامل مع الأحداث ليس فقط في الخليج واستخدام هذه المنطقة لتمرير مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني في عموم الشرق الأوسط، والسؤال الذي يجب أن نطرحه هنا يدور حول حساسية حاسة الشم الأمريكية من وجود محاولات إرهابية وشيكة ضد جنودها في الخليج وهذا التأهب الكبير لمواجهة تلك الاحتمالات دون أن يصاحب ذلك أي كشف لأدلة أو معلومات قد تصب في مصلحة دول خليجية، وإذا كانت المراصد الأمريكية بهذه الدقة والحساسية لشم رائحة الهجوم من على بعد أيام أو أشهر فكيف نفسر صمت أو انبهار الحكومة الأمريكية من العدوان العراقي على الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990 على الرغم من وجود أكثر من 150 ألف جندي عراقي على الحدود الكويتية واللقاء الذي صرح من خلاله صدام حسين للسفيرة أبريل غالسبي نيته اجتياح الكويت، أن أي مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن لا تكون دول مجلس التعاون مسرحاً لها، ويكفي هذه الدول درسان بدلاً من درس واحد.