لنبعد شبح الحروب!

12 يناير 2016

د. حسن عبدالله جوهر

لا أحد يستطيع أن ينكر حالة التوتر الصعبة والخطيرة في منطقة الخليج، وقد يكون من الصعوبة بمكان التنبؤ بمسار الأحداث رغم أجواء التصعيد المتنامية بين إيران والسعودية وسط اضطرابات إقليمية باتت دامية ومعقدة، وأفق حلحلتها صعبة ومعقدة.

ألقت هذه الحالة المتشنجة ظلالها على المواقف والآراء المؤيدة أو المعارضة بقوة، بحيث أصبحت التحليلات السياسية الموضوعية والمحايدة عديمة الفائدة ولا تجد أية آذان صاغية، وصار المطبلون والمحرضون على المزيد من التصعيد والدعوة إلى حرق المنطقة بمن فيها وما عليها هم أصحاب الصوت العالي، وكأنهم سوف يكونون في الصف الأمامي “إذا حجت حجايها”! والكثير من هؤلاء هم من نفخوا في نيران الحروب في المنطقة من غرف عاجية وسيارات فارهة ومن خلال سفرات الخمس نجوم حول العالم!

منطقة الخليج عاشت منذ عام 1980 ثلاثة حروب طاحنة وحصدت الملايين من البشر بين قتيل ومعاق، ودمرت مئات الآلاف من البيوت وتكبدت مئات المليارات من الدولارات، وحالة الاحتقان الداخلي والإقليمي بلغت فيها حداً لا يوصف، وأصبحت المنطقة منذ ذلك الحين مستباحة من قبل القوى العظمى والآخذة في التعاظم، وتحولت إلى سوق ضخمة للسلاح والعتاد العسكري، ولذا لا تتحمل هذه المنطقة أية مصادمات جديدة خاصة في ظل التحولات العالمية وتبدل استراتيجيات الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهي بالتأكيد تتحين الفرص لاقتناص مصالحها ولن تذرف دمعة على أهل الخليج.

منطقة الخليج أيضاً مقبلة على تحولات مهمة وعلى رأسها اتساع الهرم السكاني حيث يتوقع أن يصل عدد مواطني دول مجلس التعاون خلال العقود الثلاثة القادمة إلى ما يقارب 80 ملون نسمة غالبية ذلك من شريحة الشباب الضاغطة على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ثم التوظيف والسكن، الأمر الذي يتطلب موازانات ضخمة جداً وإعادة التفكير في مفاهيم التنمية البشرية، وأسعار النفط الحالية والمتوقع استمرارها لأمد غير محدد بالتأكيد سوف تثقل كاهل المالية العامة للعديد من الدول الخليجية بما في ذلك إيران التي لا تختلف في طبيعتها البشرية ومواردها الاقتصادية والتزاماتها المستقبلية عن دول مجلس التعاون.

الملفات السياسية والأمنية ساخنة جداً بلا شك، وبحاجة إلى جهد كبير وربما وقت أطول لمواجهتها عبر المكاشفة والصراحة، وقد تكون الأدوات الدبلوماسية وأشكال الضغط الاقتصادي والسياسي متطلبات مرحلية، ولكن يجب أن يكون ذلك في إطار من ضبط النفس والتحكم.

لذا جاءت تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان منطقية جداً عندما أعلن رفض بلاده دخول حرب عسكرية مع إيران رغم المشاكل العميقة بين البلدين، وفي المقابل صرّح أكثر من مسؤول إيراني بمواقف رسمية مماثلة، الأمر الذي من شأنه إبعاد شبح الحرب عن ضفتي الخليج.

مع ذلك نجد البعض لا يزال يطبل ويهيج لنار الحرب بدوافع شخصانية وعقائدية أو ربما لعقد نفسية وكأن الحرب والدمار نزهة أو مشهد سينمائي سوف يستلذ بمشاهدتها فقط من خلف شاشات الإعلام!