مجلس قول..وفعل!

“طنازة” الحكومة كانت ما يسمى بالقوانين الشعبوية أي ما يتعلق بالمرايا المالية للمواطنين، كزيادة الرواتب وإقرار الكوادر الوظيفية وإسقاط فوائد القروض ورفع علاوة الأولاد وغير ذلك من القوانين ذات الكلفة على المال العام، ولجأت الحكومة إلى التلويح بالسياسات العنترية إذا ما تمادى المجلس في الاقتراحات التي تدغدغ الأصوات الانتخابية، بل لجأت الحكومة مرتين على الأقل إلى حل مجلس الأمة بسبب قانون إسقاط فوائد القروض مرة وزيادة الخمسين دينار على جميع الرواتب مرة أخرى.

هذا الموقف الحكومي المتشدّد كان أيام الخير والبركة والفوائض المالية وأيام المجالس كاملة الدسم، ولم يكن ينقذها في تعطيل هذه القوانين سوى أصوات الكلمة الليبرالية بالإضافة إلى نوابها الموالين لها على طول الخط.

المشهد البرلماني اختلف جذرياً، فعلى الرغم من وداعة المجلس الذي أخجل الحكومة في العديد من المواقف بالكرم الحاتمي وخاصة في الاستجوابات وتطفيش العدد البسيط جداً من النواب المشاكسين من الحياة النيابية، وعلى الرغم من الإعلان الرسمي لحافة الإفلاس تنهال الاقتراحات الشعبوية من جديد، والمفاجأة أن بعض هذه الاقتراحات تمر بسهولة مثل التأمين الصحي للمتقاعدين بينما زيادة علاوة الأولاد بمبلغ ال15 دينار لا يمر ومثله مكافأة نهاية الخدمة، والمفاجأة الأخرى أن “عرابّي” هذه الاقتراحات هم المعارضون لها سابقاً خصوصاً من أصحاب التوجهات الليبرالية، فهل يتم ذلك عن تناقض في الرأي أو تبدّل في الموقف؟ أم هناك سر تكتيكي؟

سيناريو التكتيكي له ما يبررّه بقوة في الواقع، فإذا لاحظنا طبيعة الاقتراحات بقوانين نجد أنها مفصلة على مقاس القطاع الخاص ولمصالح التجار دون أن يشكل ذلك أي رافد حقيقي لإيرادات الدولة أو يخلق نموذجاً لتنويع مصادر الدخل، فقانون ال وتعديلاته وكذلك إعادة صياغة قانون الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام كلها تصب لفائدة القطاع الخاص، وكذلك قانون التأمين الصحي للمتقاعدين وإن كان يمثل طموح عدد كبير من المواطنين في سن يشهد مختلف أنواع المرض، إلا أن استمرار الخدمة الصحية الحكومية وميزانيتها الضخمة وبأداء لا يبلي ثقة الناس سوف يعيق توفير أية مبالغ في الخزينة العامة للدولة، وتبقى الفائدة للمستشفيات الخاصة وشركات التأمين.

أثناء طرح ومناقشة هذه القوانين يرمى باقتراحات أخرى كزيادة العلاوة الاجتماعية للأولاد أو نهاية الخدمة، ولكن بمجرد إقرار القوانين الهامورية يتم تأجيل الاقتراحات الشعبية إلى أجل غير مسمى بحجة مزيد من الدراسة!

وهكذا تنطلي هذه التكتيكات على النواب إما نتيجة نقص الخبرة والسطحية في الأداء أو بدراية منهم والأمر الذي يؤكد حكومية مجلسنا الموقر ذو شعار الأفعال لا الأقوال.