الثلاثاء 22 أغسطس 2008

مصفاة الزور وتوزيع الثروة!

د. حسن عبدالله جوهر

الجدل السياسي المثير حول إنشاء المصفاة الرابعة أمر منطقي بل ومحتوم من عدة جهات، ففي البدء فأن أجواء الفساد المنتشرة في الدولة على مدى واسع جداً ويكاد يشمل كل صغيرة وكبيرة يجعل الاتهام والريبة سيد الموقف في أي مشروع حكومي حتى يثبت العكس، والمؤشرات السلبية في قياس الشفافية الكويتية تثير الحفيظة في معرفة تفاصيل كل الصفقات والعقود فما بالك بمشروع استراتيجي عملاق قيمة إنشائه فقط وصلت ما يقارب ثمانية مليارات دينار أي بحدود 30 مليار دولار.

ومن جهة مهمة أخرى ما زالت هناك فجوة كبيرة بين مفاهيم ومتطلبات العمل المؤسسي بموجب القانون وفي ظل منظومة المجتمع المدني من جهة والطريقة الكويتية في التعاطي مع المشاريع الكبيرة بين بعض الشركات المتنفذة والشخصيات المثيرة للجدل والحكومة من جهة أخرى، الأمر الذي يتسبب في الكثير من الأحيان في جر البلد سياسياً نحو مأزق حقيقي تحت عنوان مبهر ظاهره “تعطيل التنمية” وكأن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا بالخفاء وخلف أبواب مغلقة وبصفقات خيالية محصنة من الرقابة والمحاسبة.

وهذا المأزق يعاني منه الجميع تقريباً، وأكاد أجزم بأن المدافعين عن سلامة الإجراءات الخاصة بمصفاة الزور اليوم والمبررين للاستثناءات التي لفت المشروع كانوا اليوم في الجبهة التي تنادي اليوم بالشفافية ودور ديوان المحاسبة ولجنة المناقصات المركزية لو أنهم استبعدوا من المشروع بذات الآلية التي فازوا بها، ولا نحتاج  لكثير من الجهد لنثبت لعبة الكراسي هذه في العديد من المشاريع الكبرى المشابهة لمشروع المصفاة في السابق.

أما ما يخص المصفاة الرابعة والملاحظات التي تشوبها فقد كان من الأجدر بوزير النفط وهو برلماني سابق يؤمن بالرقابة والمحاسبة ناهيك عن شخصيته كرجل عرف بالتدين ويمثل تياراً دينياً عريضاً في الساحة الكويتية، أن يحرص ابتداءً على موافقات الجهات الرقابية والمحايدة وهي مؤسسات حكومية مهمة لإضفاء مزيد من الطمأنينة والمصداقية على مشروع حيوي قد يكون الأضخم في تاريخ الكويت، فقوانين الدولة تفرض أن أي مشروع يتجاوز قيمته 100 ألف دينار يجب أن يخضع لرقابة ديوان المحاسبة وموافقة لجنة المناقصات المركزية، وحتى في حالة موافقة جهات عليا كالمجلس الأعلى للبترول فإن الحس السياسي والورع الذاتي كان يتطلب الإصرار على الفحص والتدقيق من قبل الوزير المعني حتى لا يكون مصداقاً للقناعة المتجذرة عند الكويتيين بأن الوزراء مجرد موظفين تنفيذيين بين كبار.

ولعل من أهم الملاحظات التي تشكل حجر الزاوية في الجدل الكبير حول مصفاة الزور هو أن المشروع الذي قفز سعره وبشكل خيالي من أقل من مليارين دينار إلى قرابة ثمانية مليارات دينار خلال 3 سنوات فقط قد تقاسمه مزيج من التيارات السياسية والرموز الاجتماعية تمثل أعضاء في مجلس الأمة ووزراء وبعض العوائل في إطار محاصصة مهما كانت ترتيباتها الإجرائية أو تبريراتها القانونية والسياسية تظل تقرع أصداء شعبية واسعة وينظر لها ككعكة مقسمة على الطريقة الكويتية!

وقد كان حري بأن يتم تحويل هذا المشروع إلى شركة قابضة يشارك فيها الجميع وينتفع من عوائدها وأرباحها كل القطاعات لتكون نموذجا للعمل الشفاف والمشترك وبعيداً عن كل هذا الضرب تحت الحزام، وهذا ليس بالشيء الصعب والمستحيل بل بحاجة إلى قرار وإرادة، فالصين التي أبهرت العالم كله بمنشآتها العملاقة والخارقة للتكنولوجيا الحديثة في الأولمبياد الحالية، حققت هذا النجاح بواسطة شركات حكومية استفاد من ريعها مليار صيني، ونحن في الكويت لسنا فقط عاجزين عن إرضاء شعب لا يصل إلى مليون نسمة بكل قطاعاته وطبقاته بل عاجزين عن إرضاء عشرة عوائل من منفعة مشروع واحد مثل مصفاة الزور!