مفاجآت العبدلي!

18 سبتمبر 2015

د. حسن عبدالله جوهر

بالتأكيد لا يمكن استباق الأحداث في القضايا المنظورة أمام القضاء، فأروقة القانون تختلف وتتميز عن بقية المؤسسات العامة بقواعد وإجراءات التقاضي والترافع، وكذلك جهات الاختصام المتعددة وأدوات كل منها وصولاً إلى هيئة المحكمة التي تتدرّج في ثلاثة مستويات انتهاءً بمحكمة التمييز، لذا يكون من الصعوبة بمكان التنبؤ بالأحكام القضائية وإن صدرت من محاكم الدرجة الأولى لأن مشوار القضايا ما زال مستمراً.

اعتبر الكثير من المتابعين بما في ذلك رجال القانون ما حدث في الجلسة الأولى لمحاكمة “خلية العبدلي” بالمفاجأة من حيث المعلومات الجديدة واحتمالات سير القضية في مسارات قانونية مختلفة عن ما تم الإعلان عنه في بدايات القضية دون الخوض في التفاصيل.

الإعلان عن “خلية العبدلي” جاء في ذروة الاحتقان الطائفي الذي يشهده الكويت منذ عدة سنوات سواءً على صعيد الوضع الداخلي أو امتداده الإقليمي، ولذلك تحولت القضية إلى مادة صاخبة إعلامياً وسياسياً واجتماعياً عبر وسائل التواصل الالكترونية، فخاض في تداولها كل منتدى اجتماعي ووسيلة إعلامية ومؤسسة دستورية انتهاءً بالحوارات الثنائية التي عكست في جلّها عاطفة وعصبية وتوتر وتكسّب سياسي وغيره.

لا شك أن طبيعة الأحداث ذات الصبغة المذهبية تأخذ نصيبها من التأجيج والتمويل ويتم استغلالها حتى النخاع، ولكن في قضية العبدلي فأن الحكومة تتحمل الجزء الأكبر والأخطر مما آلت إليه مشاعر الناس وردود أفعالها وتمزق نسيجها المجتمعي، وتمثل ذلك في الصخب الإعلامي الحكومي في إخراج القضية إلى العلن في البداية والتهم الكبيرة التي أعلن عنها، ثم وبشكل مفاجئ ذلك الصمت الغريب رسمياً والتسريبات اليومية من أجهزة الدولة وخاصة جهات التحقيق والأمن التي كانت الوقود المستمر للاستهلاك المحلي والتداول الشعبي، الأمر الذي ساهم في المزيد من نار الفتنة وإذكاء روح الكراهية والعداء بين المواطنين.

أيضاً دون استباق الأحداث، ولكن في منتهى الغرابة أن ما تداول في قاعة المحكمة بعيداً كل البعد في أصله وتفريعاته عن ما أشغلت بيانات وزارة الداخلية ثم بيان مجلس الوزراء به الناس الملتهبة مشاعرهم في الأساس، دون حتى أية ردود فعل رسمية لما جرى، وكأن لسان حال الحكومة يقول بأنه بعد أن تم تحريض الشارع السني على الشيعة على مدى أسابيع ثقيلة وحالكة، يتم الآن فتح المجال أمام الشيعة لقلب الطاولة والتنفيس عن الحالة الدفاعية التي عاشوها لأسابيع قادمة، في دوامة نتيجتها الوحيدة المزيد من التعبئة الطائفية.

رغم النصائح الكثيرة والدعوات المتكررة لضبط النفس وعدم الاستعجال وحشر الأنوف في كل صغيرة وكبيرة خصوصاً في القضايا الطائفية، الأمر الذي لم يعد ينفع معه التوجيه والإرشاد، إلاّ أن مواقف الحكومة سواءً كانت تكتيكات مقصودة أو قصور في الدراية السياسية والإدارة الناجحة هي السبب في اختلاق المشاكل بين الناس وزيادة الطين بله، مع عدم تبرئة الكثير من العقول السطحية التي تنجرف بسرعة البرق وتنعق خلف كل ناعق وتسقط في الفخ في كل مرة كطائر “المردم” المعروف بهذا الغباء الأزلي!