منا التشريع ومنكم البليّع!

01 أبريل 2014

د. حسن عبدالله جوهر

مشاريع البناء والتشغيل والتحويل أو المعروفة بنظام الـ BOT يفترض أن تكون عصب التنمية وإشراك القطاع الخاص في تطوير مرافق الدولة وخدمة المجتمع وتخفيف العبء عن كامل الحكومة حتى تتفرغ لإدارة شؤون البلد وقضاياه الرئيسية، وتعتبر الكويت من أوائل الدول التي عملت بهذا النظام منذ الاستقلال، الأمر الذي يعني بأن القطاع الخاص حظي باهتمام ورعاية وتسهيلات لا حدود لها حيث ابتلع أراضي الدولة في مناطق استراتيجية وحيوية على مدى نصف قرن بالمجان تقريباً وفق معيار الحظوة والصفقات السياسية، فتحولت هذه المرافق إلى ممتلكات خاصة واستثمارات فردية لم تنتفع منها مشاريع التنمية ولم تساهم في توظيف العمالة الوطنية ولم تدر على الميزانية العامة للدولة أية مبالغ سوى الإيجارات الرمزية التي لا تتعدى ربع دينار للمتر المربع، وهذا بعد زيادة الرسوم التي كانت 100 فلس فقط لا غير!

اليوم يتم مراجعة قانون الـ BOT في مجلس الأمة لإدخال تعديلات خطيرة عليه ومن أهمها منح صك الملكية على طبق من ذهب وبقوة القانون لمن استغل أراضي الدولة وعماراتها على مدى عقود من الزمن! ولقد لجأ أصحاب النفوذ إلى أعضاء اللجنة المالية وعموم النواب لتمرير هذه الصفقة بعدما رفض القضاء الكويتي طلب إعادة التجديد التلقائي لهم لمدة خمسين سنة أخرى، وأخطر ما في التعديلات المقترحة تفويض اللجنة العليا المشرفة على هذه المشاريع بتجديد العقود وفق منظورهم الخاص وبدون إعادة طرح هذه المشاريع للمنافسة من جديد أو وضع معايير حديثة لطرق استثمارها والفؤائد المتوقعة لها للدولة.

هذا النوع من الفساد التشريعي ومخطط بيع البلد وثرواته يجب التصدي له بجزم، فالمجلس الحالي يبدو أنه استشعر بأن الناس قد أهملوه إذ لم يعد له طعم أو رائحة فاغتنم الفرصة ليلعب بمقدرات الدولة كيفما يشاء، ومن صور التضليل الإعلامي والضحك على الذقون يبرر بعض النواب بأن مشاريع الـ (بي أو تي) لها انعكاسات إيجابية على التنمية، وهذا الكلام قد يقبل في حالة كون المشاريع المعنية لها علاقة مباشرة بالتعليم العام أو الجامعي أو المستشفيات والمصحات العلاجية أو الرعاية الاجتماعية للمعاقين وكبار السن أو مراكز تأهيل وتدريب الشباب، وليس عبر عمارات تؤجر بربع دينار للمتر ويعاد تأجيرها بعشرين ضعف للمحلات التجارية والمطاعم، وهذه ليست سوى تنمية الجيوب والكروش!

الحكومة تقف بشجاعة عنترية لمواجهة علاوة الأولاد وتعلن انتهاء دولة الرفاه بحجة تنامي الميزانية العامة للدولة وتهديدها بالإفلاس، ولكن عندما يصل الأمر إلى كبار التجار والمتنفذين تصاب بالصم والعمى والخرس، فهل تدرك حكومتنا بأن سعر المتر الواحد في أبعد منطقة حضرية تجاوز الألف دينار؟ فما بالك بالمناطق النموذجية في قلب العاصمة التجارية وإمكانية استغلالها كإيرادات مالية للدولة؟

إذا كان الرئيس السابق أحمد السعدون قد أطلق على مشاريع الـ BOT عبارة “بوق ولا تخاف” قبل سنوات فأن بعض نوابنا الحاليين سوف يطلقون على قانونهم الجديد دع لنا التشريع وتمتع بالبلع!