الجمعة 23 نوفمبر 2007

من يريد حل المجلس؟ 3

د. حسن عبدالله جوهر

إذا راجعنا أجواء الحل غير الدستوري لمجلس الأمة في منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينات نجد ثمة عوامل مشتركة تجمع بين الحدثين المهمين، والأغرب من ذلك أن تلك الأجواء نفسها تخيم على واقعنا السياسي منذ منتصف العقد الحالي بدءاً من عام 2005 حتى هذه اللحظة حيث الدعوات المتكررة لحل مجلس الأمة وتعليق مواد الدستور؟!

ففي منتصف السبعينيات كانت المنطقة العربية ملتهبة وتشهد مخاضاً عسيراً بسبب الأزمة اللبنانية وتداعيات حرب أكتوبر، كما شهدت تلك الحقبة ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط لم يشهدها تاريخ الطاقة! ومن خلف هذا الستار نجحت الحكومة في التسويق لخطر امتداد الحرب اللبنانية ووصولها إلى الكويت، فانطلت بذلك حيلة وجود الأحزاب في الكويت وتهديدها للاستقرار السياسي، أما الوفرة المالية الكبيرة فاستخدمت إبرَ تخدير من خلال زيادة الرواتب والتثمين وتوزيع الأراضي السكنية مقابل إطلاق برنامج ضخم من المشاريع الجديدة بعيداً عن عين الرقابة البرلمانية وفي ظل تحجيم الصحافة وغياب ديوان المحاسبة، ولم يعرف كيف صرفت تلك الثروة العملاقة والجهات والأشخاص التي انتفعت من ورائها.

وتكرر هذا السيناريو نسخة طبق الأصل في منتصف الثمانينيات حيث شهدت المنطقة العربية وإقليم الخليج حالا جديدة من الغليان السياسي والفزع الأمني بسبب الحرب العراقية-الإيرانية وتداعياتها المختلفة، كما شهدت تلك الفترة طفرة نفطية جديدة قفزت بالأسعار إلى معدلات قياسية غير مسبوقة أيضاً، وسيقت التبريرات السياسية ذاتها لحل مجلس الأمة وتعطيل الحياة الديموقراطية، كما صُرفت خلال تلك الفترة عشرات المليارات من دون رقيب أو حسيب لم تعرف أوجه إنفاقها والمستفيد المباشر من صفقاتها حتى الآن، بل وبلغ الأمر حد التطاول على المخزون الاستراتيجي للثروة الوطنية ممثلة في الاستشارات الخارجية، وتم إلهاء المواطنين ببعض المسكنات مثل زيادة الرواتب والتوظيف العشوائي.

ولعل من المفارقات الغريبة أن تتكرر مساعي الحل غير الدستوري من جديد مع الارتفاعات القياسية الجديدة لأسعار النفط والإعلان عن مشاريع عملاقة مثل المدن الجديدة والموانئ والأنفاق والجسور والمطارات والمستشفيات وإطلاق برامج الخصخصة للقطاعات الحيوية في الدولة.

وكالعادة، فإن التبرير السياسي جاهز وخصوصاً في ظل أحداث لبنان والعراق وإيران، كما أن إبر التخدير الشعبي جاهزة أيضاً وممكنة من خلال زيادة الرواتب وتوزيع أراض سكنية، وإن لم تنتهِ بنيتها التحتية بعد!

ولهذا، فإن التخلص من سلطة البرلمان الرقابية هي أضمن طريقة لخلق تحالف جديد بين أطراف في السلطة وبعض أصحاب النفوذ التقليديين أو حتى إيجاد نخبة جديدة من التجار، ولا سيما من الأوساط الشبابية التي بدأت تنتشر وبطموحات عالية للتحكم في الثروة الخيالية المتاحة والمتوقعة.

ولما فشلت بالونات الاختبار في التسويق لفكرة الحل غير الدستوري وقدرت تكلفتها السياسية الباهظة، كان البديل الآخر هو التحريض على الحل الدستوري، فوجود مجلس الأمة بتركيبته الحالية لم يعد يحتمل ثلاث سنوات أخرى، ومن المؤكد أنه سيقف حجرة عثرة وشوكة قوية في بلعوم هذه الطموحات الجارفة، ولذا فإن العقل الباطن لأصحاب هذه القوى النافذة يفضل المجازفة بالدخول إلى رحم المجهول من خلال الدوائر الخمسة في انتخابات مبكرة رغم صعوبة التكهن بنتائجها لأنها أمام خيارين: فإما تتغير تركيبة المجلس ويكون التعامل مع المجلس الجديد أسهل، وإما أن تبقى هذه التركيبة بقوتها وعندئذ يمكن التفكير من جديد في الحل غير الدستوري!