نصرة الفلوجة!

27 مايو 2016

د. حسن عبدالله جوهر

الفلوجة على أبواب التحرير من احتلال داعش، هكذا تقول التقارير الإخبارية وفق المعطيات العسكرية على الأرض، ولا شك أنها معركة شرسة كون هذه المدينة من أهم معاقل التنظيم الإرهابي وقد بسط سيطرته عليها لما يزيد عن العامين، وتحصّن فيها الآلاف من المرتزقة من مختلف بلاد العالم.

أهمية تحرير الفلوجة تكمن أيضاً في أنها نقطة إستراتيجية لكسر الطوق عن بقية المناطق الداخلة في نطاق تنظيم داعش وحواضنها المهمة إضافة إلى امتدادها الجغرافي مع سوريا، وهذا يعني أنها ضربة قاصمة لظهر الدواعش وحلفائهم إقليمياً.

عمليات تحرير الفلوجة تأخرت كثيراً سياسياً بسبب الفيتو الأمريكي والرفض العربي لاعتبارات إقليمية ومذهبية كون المستفيد الأول من نجاحها الحكومة العراقية وإيران والنظام السوري وروسيا وكذلك الفصائل العسكرية الشيعية في العراق، ولذا فأن البعد الطائفي في غاية الوضوح، إلا أن بدء العمليات الميدانية وبوادر الانتصار فيها ورسائل الدعم والتهنئة التي أطلقتها عدد من الدول العربية الرئيسية ومنها المملكة العربية السعودية، والمشاركة الجوية للطيران الأمريكي لها دلالاتها أيضاً في التوافق السياسي وإن لم يكن معلناً.

القناعة بأن داعش، بفكره التفكيري وممارساته الإرهابية ومخططاته لاحتلال كل البلاد الإسلامية، شر مطلق أو خطر مشترك بين السعودية وإيران، وبين الشيعة والسنة، وبين الأمريكان والروس جاءت متأخرة، حيث استفاد الإرهابيون كثيراً من هذه التناقضات بل كسبت دعماً مباشراً أو غير مباشر بسببها فاتسعت وتمكنت، ولكن يبقى مثل هذا الاتفاق وإن كان ضمنياً خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح لإبعاد هذا الخطر الكبير عن أرواح الناس وممتلكاتهم بل عن وجود وبقاء عدد من الدول العربية بكامل مقوماتها.

إذا كانت هذه المجموعة الكبيرة من الدول قد وصلت إلى القناعة الكاملة بخطورة داعش بامتدادها الفكري والعقائدي وترفعّت عن خلافاتها الحادة، فلماذا حالة الهستيريا التي انتابت البعض من التيارات الدينية التي تزعم الاعتدال والبراغماتية فراحت تولول وتستغيث وتستنجد تحت شعار “نصرة الفلوجة” والتباكي على أهلها وتدعو إلى إنقاذ المرتزقة والمرتزقات ممن جاءوا بمحض إرادتهم ليتحكموا برقاب شعوب بلدان أخرى ونصبوا أنفسهم ولاة عليهم، بل بدأت تنفخ في أبواب الطائفية وتحرض على المزيد من الاحتقان المذهبي في تكسّب رخيص لا يراعي حرمة ولا كرامة لدماء المسلمين وأرواحهم؟

أن غباء المتباكين على الفلوجة وغير الفلوجة فضح أمرهم، فمن يرفض أن ترجع المناطق المحتلة من قبل داعش إلى السيادة الوطنية ويعود شعبها إلى النسيج المجتمعي ليفتحوا صفحة جديدة من الأخوة والمواطنة المشتركة، فهو بالتأكيد يبارك بقاء هذه من المجرمين على رقاب الناس وفرض معتقداتهم وسلوكهم وإرادتهم عليهم زوراً وظلماً، فمشكلة هذه الأبواق أنها تتشدق بالكلام المجاني ولا تملك الجرأة بالوجود في الميدان مع من يوالونهم فيجاهدون “عن بعد” بدماء عيال الناس، فتعساً لكم ولا أحسن الله عزاكم!