الاثنين 06 سبتمبر 1993

شقشقة

هل الصحة للجميع؟!

يحار العقل كثيراً من أين يبدأ في تناوله مشاكل المواطن وهمومه وكيف يسردها وإلى أين ينتهي بها، وتتوه أصابع الاتهام عند الإشارة عن المتقاعسين والمتهمين في إلحاق الضرر وأحياناً المأساة لفرد في عمر الزهور أو في نكبة عائلة بسبب بعض الأمراض الصحية، فمشاكل الصحة العامة كثيرة سواء ما يتعلق بوجود برنامج صحي متكامل أو ما يتعلق بالاستغلال السوي والعادل للثروة المخصصة للعلاج أو في تلك التي تنحصر في أداء الجهاز الطبي والتطبيب رغم مسيرة الصحة الطويلة التي بدأتها الحكومة منذ عام 1938، ورغم توفر كافة الظروف والإمكانات الموضوعية لتدشين قمة الجهاز الصحي في هذه الدولة الصغيرة جداً، وبغض النظر عن تقييم وضع الجهاز الطبي في الكويت بشكل عام ومدى تحقيقه للإنجازات الوطنية لا تخلو أسرة كويتية من تجربة تعيسة ومؤلمة مع هذا الجهاز الذي فقد مصداقيته واحترامه بين أوساط المجتمع قاطبة ومن البديهي أن لا يستشعر الكثير هذه الحقيقة المؤلمة إلا بعد المرور بتجربة حية غالباً ما تنتهي في الكويت نهاية مفجعة.

وتأتي في مقدمة معضلات وزارة الصحة “بل وحتى المصحات الخاصة” مسألة التشخيص الدقيق والصائب في بداية الأعراض المرضية وخصوصاً البلاءات الخطيرة والتي سرعان ما تتفاقم في عبث الأطباء في جسد المريض وإخضاعه كفئران التجارب للتعليم والتدريب الإكلينيكي وتتجه نحو الفناء، ومما يدعو إلى الاستغراب أن التشخيص وباستخدام نفس التحاليل والأشعات يختلف تماماً عندما يتوجه المريض للخارج وسرعان ما تتحسن صحته بعد تلقي العلاج المناسب وفي بعض الأحيان يكون التشخيص متأخراً جداً بعد إبقاء المريض في الكويت لفترة طويلة لمغامرات الأطباء واجتهاداتهم، وإننا إذ لا نلقي باللائمة على أكتاف الأطباء ولا سيما الوطنيون منهم لوحدهم لنتساءل لماذا هذا الفارق العلمي والعملي بين هيئاتنا الطبية وتلك التي في الدول المتفوقة طبياً، فشبابنا قد تخرج في أعرق المدارس الطبية وهم بحسب ما تكشف سجلاتهم الدراسية في الثانوية والجامعات العالمية من ألمع الأفراد ذكاءً، لماذا يتغير الوضع إذاً بعد رجوعهم إلى الوطن وبدء حياتهم العملية؟ ولماذا الاسترخاء العلمي في البحث والمطالعة وحضور المؤتمرات الطبية والمشاركة الفعلية بعد التخرج؟

أن مثل هذا اللون من التخاذل والكسل والتفريط لا يختص في مجتمعنا الذي يعاني حالة الركود والملل بفرق العمل الطبي، ولكن تبقى مهمة الطب الإنسانية تسمو في فضاء المسؤولية الحساسة لأنها تتعامل مع أرواح ونفوس لها قيمتها المدنية فضلاً عن كرامتها الأخلاقية، ولذا يجب أن تكون مقاييس الثواب والجزاء حازمة وشديدة وبكل دقة على الكادر الطبي حتى يحصل كل عضو في هذا الجهاز حقه غير منقوص سلباً أو إيجاباً، وكفانا تجارب على الإنسان، وكفانا البذخ في كل مجال حتى مجال صحة هذا الإنسان!

“وتلك كانت شقشقة هدرت ثم قرت”!