هم جيب المواطن؟!

16 مايو 2017

د. حسن عبدالله جوهر

عاد الحديث حول جيب المواطن مجدداً ولكن هذه المرة عبر بوابة غرفة تجارة وصناعة الكويت، وذلك في سياق فرض هذا السيناريو كأمر واقع، وحتى لا يضيع هذا الخيار وسط زحمة التطورات والأحداث السياسية المتلاحقة، فقد دأب وزير المالية طوال السنة المالية الماضة على التحرش سياسياً وإعلامياً بالمواطن، تارة بتمرير الموس على رأسه وتارة بمد اليد إلى جيبه، وكانت نتيجة هذه التصريحات كارثية على الحكومة خلال الانتخابات الأخيرة.

لكن يبدو أنه بعد الجلسات الأخيرة التشريعية والرقابية للمجلس الأخير، وبعدما تبيّن أنه “لا يهش أو ينش”، جاءت بالونة اختبار جديدة من خارج الإطار الحكومي، ورغم نفي رئيس الوزراء لما اقترحه رئيس غرفة التجارة والصناعة بعد جلسة الاستجواب في أن الحل الاقتصادي يجب أن يكون عبر المساس بجيب المواطن!

بغض النظر عن جرأة الحكومة ومستشاريها في التعرض لجيب المواطن في الوقت الحاضر، إلا أنه من الواضح جداً أنه كلما ضعف ظهر الشعب كلما علت الأصوات ضد مصالحه وحقوقه المالية، خصوصاً أن اقتراح المساس بجيب المواطن لا يستقيم فنياً ولا اقتصادياً وفق الأرقام الرسمية لميزانية الدولة.

في ميزانية 2016/2017 الحالية بلغ متوسط الدخل الشهري للمواطن 600 دينار لا غير بينما بلغ باب الرواتب والأجور 9,6 مليار دينار هو مصدر رزق جميع المواطنين الذين وصل عددهم إلى مليون ونصف نسمة، وهذا المبلغ يشكل 48% من ميزانية الدولة، في مقابل 11 مليار دينار خصصت لأبواب الميزانية الأخرى، وهذا الرقم حتى آخر فلس فيه مخصص للشركات والقطاع الخاص تحت اسم المشاريع الإنشائية والعقود والمناقصات والصيانة وغيرها، والشركات المستفيدة من هذه المبالغ الضخمة على مدى عقود من الزمن لا تتجاوز مائة شركة عملاقة تتألف منها غرفة التجارة نفسها!

المشكلة الأزلية في المالية العامة للدولة أننا ما زلنا نعتمد وبنسبة 90% على مورد وحيد هو النفط وقد فشلت الحكومة ومعها القطاع الخاص طوال نصف قرن من الزمن تنويع مصادر الدخل أمام تجارب عالمية شهدت تحوّل العديد من الدول كانت في القطاع ووصلت إلى القمة وآخرها النموذج التركي والتشيلي والايرلندي في عالم المعلومات الرقمية أو الديجيتال التي لا تتطلب عمالة كبيرة أو رأس مال عملاق؟

خلال السنوات الأخيرة تراجع متوسط دخل الفرد في الكويت أكثر من 50%، ففي السنة المالية 2013/2014 كانت حصة المواطن من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 1400 دينار وتراجع هذا الرقم إلى 590 دينار في العام المالي الحالي، كما أن زيادة أسعار المحروقات ورفع الدعم عن مجموعة من السلع وزيادة العديد من الرسوم لم تحرك عجلة الإصلاح المزعوم ولو بمتر واحد، فأي إصلاح هذا الذي لا يتحقق إلا من جيب المواطن؟!

مع هذا كله أجزم بأن كل الشعب وجلهم من المواطنين “الغلابا” سوف يقبلون بهذا بشعار هذه الأسطوانة المملة وهو مد اليد إلى جيوبهم ولكن بعد تعديل بسيط هو أن يبادلوا جيوبهم بجيوب أصحاب هذا الحل السحري والسريع!