الجمعة 18 يناير 2008

وأنعم به حسيناً..!

د. حسن عبدالله جوهر

في رحاب مدرسة عاشوراء يتجدد عبق الحياة التي ترجمها الإمام الحسين بن على بن أبي طالب (ع)، فجسد في مقتله البقاء وفي ذكراه العطاء، وكسبت البشرية روحه رمزاً للكرامة ونموذجاً لمعنى الحرية ومعياراً للبطولة، فتلك الملحمة التاريخية التي سجلها سبط الرسول الأكرم (ص) في أعماق الزمن البعيد، تزداد زهواً وتتعاظم نوراً وتتفجر كبرياءً كلما فتحت صفحة جديدة في موعد مع العاشر من المحرم، وما من حدث عابر في رحم الماضي يشع تجدداً كلما ازداد قدماً مثل واقعة كربلاء، تحمل جديدها بتلقائية عجيبة ومباركة لتضيف على إسقاطات الحاضر وتمهد لمسارات المستقبل.

فالحسين (ع) فرض على البشرية أحد أهم مراكز الخيط الفاصل بين الحق والباطل، وانتزع شعار الخير ضد الشر، ورفع لواء المستضعفين على المستكبرين، فاستوعب بذلك شجون الواقع وتناغم مع تقلبات الصراع الأبدي بين معسكرين لا ثالث لهما، ومن هنا تتدفق من حرارة ذكرى الحسين (ع) ومرجعيته أدبيات المواجهة بين الظالم والمظلوم في كل عصر تبعاً لضرورات ومكنونات تعقيدات الحياة في دورانها المتواصل.

فدم الحسين (ع) مزج بين العَبرة الدافئة والعِبرة المتجددة، فعَبرته لا تنطفئ وهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول الخاتم وحرارة مصابه وهو يقتل مظلوماً صابراً مع أهل بيته وعياله وأصحابه لا يطفئها زمن ولا يهونها أي فاجعة إنسانية مهما بلغت في مأساتها وحجمها.

أما عِبرته فقد انطلقت لتبني مؤسسات تشكل عصب المجتمع البشري، فشهادة الحسين (ع) كانت بداية لمؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثورته على الظلم أسست مدرسة لكرامة الرأي وحرية التعبير، وخروجه على النظام المستبد كان حجر بناء مؤسسة المعارضة السياسية والثورة الشعبية، أما معسكره الصغير يوم عاشوراء فقد كان رمزاً للدفاع عن حقوق الإنسان في مقابل الاضطهاد والدكتاتورية حيث ضم بين دفتيه الإنسانية برمتها برجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها وأصولها العرقية المختلفة التي جمعها من قبل جده المصطفى (ص) في وعاء الرسالة المقدسة.

ومادامت البشرية بصورها المنتشرة اليوم من مآس وظلم وقهر واستبداد للأنظمة المتفرعنة والحكومات الجائرة، تبقى روح الحسين (ع) أملاً لها في الخلاص وأنشودتها في النجاة وغيرتها في الصمود وشرعيتها في المقاومة والنضال وثقافتها في الحياة كما رسمها أبو الحسين (ع): “الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين”.

فسلام عليك يا أبا عبدالله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار.