وراء كل فتنة سرقة!

06 مايو 2014

د. حسن عبدالله جوهر

سبحة الاستقالات النيابية انفرطت ومن المتوقع أن يزيد عدد النواب المنسحبين من المجلس خلال الأيام القادمة رغم حجم الضغوط و”بوس الخشوم” التي يتعرض لها الأعضاء المتوقع استقالتهم، وهذا الموقف يعيد إلى الأذهان تلك الاستقالات التاريخية في مجلس الأمة الأول (1963-1967) احتجاجاً على خنق الحريات العامة، وكذلك في الفصل التشريعي الثاني (1967-1971) عندما زورت الحكومة نتائج الانتخابات “عيني عينك”!

الاستقالات الحالية، وبعد مرور (50) سنة على صدور الدستور، هي الأوقع سياسياً لأنها تختزل التجربة الديمقراطية التي أريد لها الفشل والإجهاض ومؤخراً تفريغها من الداخل وشل أدواتها الرقابية وتجيير تشريعها للمصالح الخاصة والضيقة وذلك باسم الأمة ومن رحمها كما يتباهى البعض من أعضاء المجلس الحالي، وفي حال استمرار هذا المجلس وإجراء انتخابات تكميلية يتوقع أن يفوز بها نماذج منسوخة من النواب الحاليين فتكون السالفة قد “اكتملت تماماً”!

هذه الاستقالات، وبحسب تركيبة أصحابها من النواب، سياسية كانت أم فكرية واجتماعية، ورغم تناقضاتها تضيف بعداً آخر غاية في الخطورة وتتجاوز المفاهيم التقليدية مثل ديمقراطية الأغلبية والرأي والرأي الآخر، أو جزئية شطب الاستجوابات والفساد التشريعي، أو حتى المقاطعة وصراع الأجنحة في السلطة، ويتمثل هذا البعد في حالة “الفشل السياسي الكامل”، وليست عبارات “وين رايحين” و”البلد سايبة” و”الديرة موليه” وغيرها من صور التعبير على كل لسان تقريباً إلا مصداقاً لهذا المعنى.

بحسب استطلاع إحدى الصحف الكويتية الرئيسية فقد عبّر نحو 87% من الكويتيين بأن المجلس الحالي لا يمثلهم ولا يرقى إلى تطلعاتهم، أما انعدام الثقة بالحكومة فبالتأكيد يتجاوز هذه النسبة، حيث تزداد حالة الإحباط بسبب العجز الواضح عن إدارة شؤون البلد ناهيك عن حلم التنمية الذي تبخّر تماماً في زمن الفوائض المليارية وأمام برلمان مطيع ووديع إلى حد “شبيك لبيك” وغياب تيارات المعارضة السياسية بالكامل عن مؤسسات القرار.

هذا المشهد وهذه الحالة الشعبية تنذران بكارثة حقيقية قد تهدد مفاصل ما تبقى من الدولة التي لم تنمو فيها سوى مؤشرات وقصص الفساد، وكل تأخير في التحرك والإصلاح يحمل كلفة سياسية أكبر مع مرور الوقت، خاصة أن هناك من يدفع بإبقاء الحال على ما هو عليه ولو كان على حساب العودة إلى ضرب المكونات الكويتية بعضها ببعض، فما إن خفت النبرة الطائفية واختفت رموزها المحرضة حتى بدأت مرحلة جديدة من الفتنة الفئوية، والعودة إلى نغمة الحضر مقابل البدو إلى السطح.

لقد قلناها في عدة مناسبات وقبل سنوات بأن وراء كل فتنة مفتعلة سرقة، ولكن السرقة الجديدة تبدو كبيرة لدرجة أنها قد تستحق من وجهة نظر أطرافها بأن تشعل النار في كل الكويتيين، كل هذا ومع الأسف الشديد أننا لا نعتبر وقد لا نعتبر هذه المرة أيضاً!!