الثلاثاء 09 أكتوبر 2007

وزارتان للتربية والتعليم العالي!

د. حسن عبدالله جوهر

يشهد المسار التعليمي في الكويت مفارقات عجيبة وتناقضات جمة على مدى السنوات الأخيرة، وبشكل مستمر ومحزن، ومن أبرز صور هذه المفارقات استمرار حال الاختلال والتعثر والإخفاق في مختلف قطاعات التربية والتعليم، برغم تنامي الشعارات والتصريحات بوضع التعليم على صدر أولويات الحكومة والمطالبات المكررة لذوي الاختصاص، وعلى حتمية انتشال الوضع التعليمي من حال الركود والتراجع سواءً على مستوى التخطيط والرؤى أو على صعيد الميدان، مروراً بتطوير المناهج وإعداد المعلم وربط مخرجات التعليم بسوق العمل وفق منظور استراتيجي بعيد المدى.

وعلى الرغم من الاهتمام الذي يحظى به التعليم من قبل القيادة السياسية، فإن ثمة خللاً كبيراً في أصل المعالجة السياسية لهذا المرفق تتطلب قراراً عالي المستوى يوطد الأرضية المناسبة لطرح البرامج والخطط الكفيلة بإعادة النظر في المنظور التعليمي ككل.

ولست بصدد تقييم أو نقد المسار التعليمي الذي يمر بأصعب مراحله، حيث بات الوعاء التربوي كـ “المشخال” لا تحصى ثقوبه من المشاكل والعيوب، ناهيك عن أجواء التوتر التي تشهدها القطاعات التربوية والمؤسسات التعليمية جميعها من دون استثناء، وتحتاج كل منها إلى وقفة كبيرة وجادة لتشخيص مكامن الخلل وأدوات العلاج المناسب لها.

ولعل المدخل الرئيس لفهم أشمل لفلسفة التعليم وأهدافه التنموية يكمن في ضرورة فصل وزارتي التربية والتعليم العالي على مستوى الحقائب الوزارية، وإسناد كل منهما إلى وزير مختص وبمواصفات ومؤهلات ترقى إلى اعتبار التعليم الأولوية القصوى في برنامج عمل الحكومة، ولا يملك مثل هذا القرار سوى سمو رئيس مجلس الوزراء، باعتباره المسؤول الأول عن السياسة العامة للدولة، وأنا على يقين بأن مثل هذا القرار سوف يحظى بمباركة صاحب السمو الأمير لما تلمسناه من قرب موقع التعليم إلى قلبه وفكره.

وعلى الرغم من النص الدستوري بتحديد عدد الوزراء، فإن فصل حقيبتي التربية والتعليم العالي على حساب دمج وزارات الخدمات الأخرى أولى بأن يُتّبع؛ أولاً، للتأكيد على أن التعليم يمثل أولوية حقيقية ليس بالشعار وإنما بالتجسيد العملي في أعلى سلطة دستورية، ويساهم بشكل مباشر في إضفاء الهاجس التربوي والتعليمي على مداولات مجلس الوزراء. وثانياً، لما يشهده عالم التربية والتعليم العالي والبحث العلمي من تطورات سريعة وآفاق متجددة وتنوع كبير في النظريات والبرامج تتطلب متابعة مستمرة قادرة على استيعابها والاستفادة منها.

وثالثاً، للاتساع الكبير في رقعة مؤسسات التعليم العام والعالي والفوارق الفنية الكثيرة بينها مما يعجز أي وزير مهما أوتي من قوة أن يجمع بينها باقتدار في الظروف الطبيعية، فكيف في ظل معطيات واقعنا التعليمي المضطرب.

إنها لدعوة صادقة الى سمو رئيس مجلس الوزراء، وهو على أعتاب ترتيب البيت الحكومي، أن يولي هذا المطلب اهتماماً مباشراً وأن يترجم هذا التوجه العالمي في إعادة فلسفة التعليم العالي والبحث العلمي، تحديداً الذي حققت من خلاله الكثير من الدول نجاحات باهرة انعكست إيجابياً على برامج التنمية والاستثمار البشري.