الاثنين 20 أغسطس 2007

يا من شراله من حلاله عله!

د. حسن عبدالله جوهر

في تقرير مخيف جداً نشرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” BBC قبل أيام، أعلن فريق عالمي من الباحثين في الشؤون الصحية وأمراض التغذية أن السمنة سوف تكون أحد الأمراض العالمية التي قد تفتك بالبشرية بدءاً من نهاية الربع الأول من هذا القرن، ويعزو التقرير الطبي السبب في المشكلة إلى تفشّي ظاهرة الوجبات السريعة.

وما يذهل في هذا التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي سوف تحتل أحد المراكز الأولى في مؤشرات السمنة، إذ وصلت نسبة البدانة بين الأطفال إلى نحو 75% في الوقت الحاضر، بل ما يثير الجزع أكثر أن تكلفة العلاج المتوقع لمواجهة الأمراض الناجمة عن السمنة وآثارها على مدى العقدين المقبلين سوف يكبّد ميزانية دول الخليج نحو 100 مليار دولار!!

والمضحك المبكي أن هذا المبلغ يعادل ثلاثة أضعاف صفقة السلاح لدول الخليج من الولايات المتحدة خلال الفترة الزمنية نفسها، بل تكفي هذه الميزانية لإعاشة القارة الأفريقية وإنقاذ أطفالها من الموت جوعاً طوال العقدين المقبلين.

وظاهرة الوجبات السريعة في دول الخليج تحولت إلى نمط سلوكي للحياة اليومية لأغلبية العوائل وأصبح من الصعب جداً وقف النهم المتعاظم بين الأطفال خصوصاً أن أجهزتهم النقّالة حولت سيارات خدمة التوصيل إلى شبكة مواصلات تعمل على مدار الساعة من الصباح حتى صباح اليوم التالي.

وإذا نظرنا إلى أبعاد هذه المشكلة من الناحية التنموية لا نبالغ إذا قلنا إن مجتمعاتنا الخليجية تسير باتجاه الانتحار الجماعي المدني في ظل غفلة عميقة ولامبالاة من حكوماتها في رسم سياسات مستقبلية وفق منظور استراتيجي محوره الاستثمار البشري، فشريحة الأطفال ما دون الـ 18 سنة تصل في جميع دول الخليج إلى 50% من مجموع السكان، وهي نسبة ترهق ميزانية هذه الدول أصلاً من حيث كلفة التعليم والرعاية الصحية والتنشئة الاجتماعية الأولية التي يفترض أن تكون استثماراً يضخ في سوق العمل والإنتاج مستقبلاً، ولكن بحسب المؤشرات الصحية المتوقعة سوف تستمر هذه الشريحة في استنزاف الموازنات العامة عبر بوابة العلاج ناهيك عن خسارة سوق العمل لخدماتها المفترضة.

وإذا كان بعضهم يبرر تفشي البدانة كظاهرة من ظواهر العولمة على امتداد الكرة الأرضية، فإننا نجد أن هذه المشكلة المرضية قد حركت بحد ذاتها عجلة البحث العلمي والتطور الطبي في العديد من الدول المتقدمة من الآن، أما في مجتمعاتنا حيث استمرار التخلف والركود في مختلف القطاعات فمن الأرجح أن تتحول نعمة الوفر المالي إلى نقمة ودمار ضحيّتها الأولى الإنسان والأطفال تحديداً، وصرنا مصداقاً حياً للمثل الكويتي القديم: “يا من شراله من حلاله علة”!!

ويبقى قدرنا في ظل تخمة حملات الترشيد والتوعية في كل الاتجاهات أن نقترح حملة إعلامية جديدة لتكمل منظومة الترشيد نحو الوسطية والاعتدال، وترشيد سلوك التطرف والإرهاب، والترشيد ضد المخدرات، وترشيد استهلاك الكهرباء، ونضيف ترشيد النظام الغذائي، فتكفينا المصائب التي نحن فيها ولا نحتمل هذه المرة ظهور جيل جديد من الإرهابيين المتطرفين السمان ممن يتعاطون المخدرات ويخططون في الظلام على موائد الوجبات السريعة لخدمة التوصيل المجاني للدمار والبلاء!!