إصلاح العقلية العامة للدولة!

د. حسن عبدالله جوهر

16 سبتمبر 2014

أخيراً أعلن السيد الفاضل وزير المالية عن إصلاح المالية العامة للدولة في خطوة مستحقة وإن جاءت متأخرة جداً، وذلك بالتعاون مع البنك الدولي، ومثل هذا الطرح كان يطالب بتطبيقه العديد من الشخصيات الوطنية المحبة للبلد في مسعى حقيقي نحو التنمية المستدامة وتهيأة الدولة والشعب لمرحلة الإنتاج الفعلي والأرباح التشغيلية بدلاً من الوهم الاقتصادي الذي نعيشه منذ نصف قرن.

الاقتصاد الكويتي بما في ذلك المالية العامة للدولة يقوم على أساس معادلة صفرية لا تتعدى مؤشراتها مبيعات النفط مقابل الإنفاق العام، وحتى الإنفاق العام الذي بمجمله عديم الجدوى فهو إما أن يهدر على السلع والخدمات الاستهلاكية من قبل الناس والحكومة أو تتبخر على مشاريع ينفذها القطاع الخاص دونما أية عوائد اقتصادية للدولة.

لذلك فأن عملية إصلاح المالية العامة ضرورة، ولكن التحدي الأكبر يا معالي الوزير لا تكمن في البرنامج المقترح من قبل البنك الدولي، الذي نجح في العديد من الدول، وإنما في سر نجاحه عبر إيجاد المناخ الصحي المطلوب لذلك.

أولى متطلبات إصلاح المالية العامة تتمثل في الفكر والمنهج الحكومي والإرادة الحقيقية لتحمل هذا المسؤولية، فلا يمكن لمشروع جاد قد يقلب الحياة الاقتصادية رأساً على عقب أن يطبق في ظل عقلية تفتقر إلى بوصلة التنمية وفاقدة لخطة واضحة ترسم اتجاهات ومعالم الدولة والموقع الذي يفترض أن تصنف فيه خلال مدة زمنية محددة.

من المتطلبات الرئيسية أيضاً أن تكتمل حزمة التشريعات المعيارية التي طبقتها دول نجحت في برامج الإصلاح، وخاصة ما يتعلق بالخصخصة والإدارة الحكومية ذات الكفاءة وفرض ضريبة على الأرباح التجارية وتحرير التنافس الاقتصادي بالإضافة إلى الحزم في تطبيق القانون.

أن بلد مثل الكويت ذات إيرادات مالية ضخمة قادرة على إدارة أفضل المشاريع التشغيلية وتأسيس الشركات العملاقة ذات الأفكار المبدعة بجدوى اقتصادية عالية، أو على الأقل الشراكة مع القطاع الخاص عبر امتلاك الحصص والأسهم فيها في حل نجاح تجربة الخصخصة الفاشلة حالياً، وإلا كيف تنجح الحكومة في جني المليارات من الدولارات سنوياً عبر الاستثمارات في الأسهم والعقار مع الكثير من الشركات الأجنبية بينما تفشل محلياً وتضطر لبيع حصصها السيادية في مشاريعنا المحلية؟

أما حاضنة نجاح برنامج إصلاح المالية العامة فهي الثقافة المجتمعية، وهذا قد يشكل أكبر التحديات حيث النمط الاستهلاكي المفرط وضعف إنتاجية الموظف الحكومي في مختلف القطاعات ناهيك عن التسيب الوظيفي والفساد الإداري والتعيينات القيادية وفقاً للمحاصصة أو الولاءات السياسية، واعتقد كما الكثير من أبناء الكويت بأن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن ينجح دون توفير هكذا بنية تحتية، فمعركتك يا سيادة الوزير على عدة جبهات في مشروع يسمى إصلاح العقلية العامة للدولة، مع خالص التمنيات لك في الانتصار فيها!