تم النشر في : المجلة العربية للعلوم السياسة، العدد 21، شتاء 2009 (ص. 33-61)

الباحثون:

د. حسن عبدالله جوهر – مجلس الأمة – دولة الكويت

د. سامي ناصر خليفة – الجامعة العربية المفتوحة – دولة الكويت

تمهيد

  1. إذا كانت عملية صنع القرار السياسي هي الآلية التي يتم من خلالها تحويل الأهداف العامة أو الخاصة للدولة إلى مواقف معلنة وقرارات محددة، تنعكس على شكل سلوكيات واقعية أو برامج تطبيقية تمارسها الأجهزة التنفيذية للدولة، فإن مراحل صناعة القرار ودورتها الطبيعية تمثل عصب المجتمع وتفاعله مع الأحداث المحيطة به على ضوء مستويات النضج ودرجات التطور والتعقيد التي تشهدها مؤسسات المجتمع المدني من جهة، وطبيعة الأفكار والمعتقدات السياسية التي تسود تلك المؤسسات خلال المرحلة المعنية بالدراسة والتحليل، من جهة أخرى.

ولا شك أن عملية صناعة القرار في أية دولة تخضع لعوامل ومؤثرات ومراحل لا تخلو من تداخلات معقدة ومتواصلة تحيط بها، بدءً بالمراحل الأولية لتحديد أطر القرار وأهدافه، وتستمر طوال فترة الإعداد والتحضير له، بل وتتابع طريقة ترجمته على أرض الواقع، وتسعى إلى المشاركة في آلية تنفيذه والاستفادة من نتائجه بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولا تتوقف عملية صناعة القرار عند حد المساهمة الإيجابية في بلورة نوع القرار وتحديده، إذ في كثير من الأحيان، تسعى المؤسسات المدنية والقوى السياسية، وحتى الأفراد، إلى إجهاض عملية صناعة القرار – داخلياً كان أم خارجياً – إما لعدم اقتناعها بمثل هذا القرار، وإما لكونه يتناقض مع مصلحتها السياسية أو رصيدها الشعبي أو يصطدم مع أفكارها وشعاراتها السياسية.

  1. من هنا يمكن القول بأن صناعة القرار عمليه في غاية التعقيد، كونها تختلف في إجراءاتها ومراحل تكوينها من دولة إلى أخرى أو من كيان سياسي إلى كيان سياسي آخر، وذلك بحسب تركيبة النظام السياسي والمؤسسات الدستورية المخولة صنع القرار لكل دولة على حدة، وقد تتفاوت داخل الدولة الواحدة إجراءات عملية صناعة القرار تبعاً للقنوات التي تمر من خلالها آلية تحديد أهداف القرار وصياغة دوافعه وإخراجه النهائي، وتسلسل مراحل سير العملية وسط مشاركة قوى الضغط المختلفة في عملية التأثير على شكل القرار وماهيته.

كما قد تختلف الظروف المحيطة باتخاذ القرار من حقبة زمنية لأخرى نتيجة جملة من المعطيات، التي تفرض نفسها على مؤسسات صناعة القرار أو القيادات المعنية بصنع القرار، إضافة إلى الثقافة السياسية المهيمنة على الدولة في فترة زمنية محددة، ودرجة التفويض التي تمنح لصناع القرار في حالة الدول أو الأنظمة الدستورية من خلال الانتخابات العامة والانتقال السلمي للسلطة، أو على العكس في حالة هيمنة الأنظمة القمعية، وتسيّد الرأي الواحد، بل قد تكتسب آلية صناعة القرار لوناً خاصاً في حالات الفوضى السياسية وعدم الاستقرار في بعض الدول أو المجتمعات أثناء انعدام السلطة المركزية، أو اندلاع الحروب الأهلية، أو الفترات الانتقالية التي تشهدها الدول في حالة الانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية.

وإذا كانت عملية صنع القرار بهذا القدر من التعقيد والتداخل والتفاوت في إطار الدولة الواحدة الذي يضم مجتمعاً صغيراً يفترض فيه التجانس والإرث التاريخي ووحدة المصير، فلنا أن نتصور الوضع المحيط بصناعة القرار، من دخول البشرية حقبة الألفية الثالثة، وتحول العالم إلى قرية صغيرة تتقاذفها السيول، ومن تدفق المعلومات والأفكار والثقافات والتواصل الفردي مع الأحداث العالمية بشكل مستمر، ولحظة بلحظة، من خلال أجهزة الربط الإلكتروني والقنوات الفضائية، وتوفر المعلومات بشفافية حول شؤون الحياة كافة.

بل لنا أن نتصور المؤثرات التي تفرض خصوصيتها على عملية اتخاذ القرار، في ظل تنامي المنظمات “فوق القومية” العابرة للقارات، الحكومية منها وغير الحكومية، والتي تجاوز عددها مئات الآلاف من المؤسسات التي تسعى جاهدة إلى التأثير في ثقافة صناعة القرار، ناهيك عن التدخل المباشر وغير المباشر للحكومات والدول، وخاصة الكبرى منها، في التأثير على صناعة القرار في مختلف أنحاء العالم، نتيجة استحواذ تلك الدول على شبكة المصالح العالمية وتمكنها من تجاوز الحدود القومية.

ولنا أن نتصور أيضاً الدور الذي تلعبه بعض الحركات، أو حتى الأفراد، في اختطاف عملية صنع القرار في الدول الأخرى، بل حتى على المستويات الإقليمية والعالمية، كما هو الحال بالنسبة للمنظمات الدولية الحكومية، وتجعلها رهنية لفكرها وأنشطتها الخاصة، وتفرض بالتالي نفسها على مؤسسات صنع القرار في العديد من الدول منفردة، وفي أحيان أخرى مجتمعة، كما هو الحال اليوم بالنسبة لجماعات العنف المسلح والمنظمات الإرهابية، وخاصة ذات الصبغة الدينية الإسلامية.

  1. وأخيراً، لنا أن نتخيل عملية صناعة القرار السياسي في دول صغيرة تعيش أتون هذه الإرهاصات من أمواج التغيرات الدولية، بل وتقبع في مركز دائرة الحدث، وتعاني في الوقت نفسه معادلة صعبة، تتمثل في امتلاكها ثروات طبيعية هائلة من جهة، وضآلة مساحتها الجغرافية والكثافة السكانية وقوتها العسكرية الرادعة، من جهة أخرى.

وبالتالي، فإن ما يزيد من صعوبة دراسة وتحليل صناعة القرار السياسي لدولة مثل الكويت هو حجم التغيرات الكبيرة التي عصفت بمنطقة الخليج خلال العقود الثلاثة الماضية، وأنتجت على أساسها دوائر الأحداث الإقليمية والدولية بصورة معقدة ودراماتيكية وحادة في كثير من الأحيان، الأمر الذي دفع صناع القرار السياسي في الكويت إلى التفاعل الدوري والتعاطي اليومي مع التقلبات السياسية والأمنية مقارنة مع التوازن النسبي الذي شهدتها السياسة الخارجية الكويتية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينات من القرن الماضي.

كما أن التطورات الداخلية، المتمثلة في تنامي التيارات السياسة وقوى المجتمع المدني والمشاركة الشعبية المباشرة في الحياة السياسية، وأخيراً ولادة بعض الجماعات المتطرفة، ساهمت بدور مهم في التأثير على عملية صنع القرار السياسي على المستويين المحلي والخارجي، لكن على الرغم من هذه الصورة المعقدة والمحيطة بصناعة القرار، تبقى الخطوط العامة للقرار السياسي خاضعة للتحكم من جانب المؤسسات المحيطة والمقربة من أصحاب القرار، سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وخصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

أما فيما يخص السياسة الداخلية، فإن القرار السياسي تتجاذبه عادة عملية الشد والجذب بين اتجاهات شتى وقوى مؤثرة مختلفة، بل ومتباينة، الأمر الذي يضفي على الكثير من القرارات ذات الشأن الداخلي صفة الغموض وعنصر المفاجأة.

لذا جاءت الدراسة الآتية لتسلط الضوء على آلية صنع القرار في الكويت، ومدى تفاعل القوى المؤثرة في المجتمع معها سلباً كان أم إيجاباً، مع محاولة قياس حركة المجتمع باتجاه تفاعله مع متطلبات التغيير في العصر الحديث، ومدى ملائمة تلك الحركة مع الحاجة إلى تطوير عملية صنع القرار في النظام السياسي الكويتي، مع ملاحظة الظروف التاريخية والاعتبارات التكوينية للمجتمع نفسه من جانب، واللون السياسي الذي طغى على النظام السياسي في الكويت ومدى قابليته للتطوير، من جانب آخر.

أولاً: مقدمة تاريخية

لطالما اعتبر الموقع الاستراتيجي لدولة الكويت عاملاً مهماً في رسم الأطر التي شكلت طبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة الحديثة فيما بعد من جانب، بالإضافة إلى كونه عاملاً مهما في نمو وازدهار تجارتها مع الدول المجاورة من جانب آخر، فبنظرة جغرافية إلى موقع الكويت على الشمال الغربي للخليج، حيث تحدها من الشمال الجمهورية العراقية ومن الجنوب والغرب المملكة العربية السعودية، ومن الشرق مياه الخليج الذي يفصلها عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نلحظ أن هذا الموقع قد ميزها اجتماعياً وسياسياً وجيو-سكانياً حين جعلها ملتقى لمجموعة متنوعة من الحضارات، ومحطة تجمعت فيها مكونات متعددة من الثقافات التي انعكست بشكل واضح في التركيبة السكانية للدولة بما يضفي طابع التعددية المنسجمة مع المحيط الجغرافي.

تبلغ مساحة دولة الكويت حوالي (17.181) كم2، ويبلغ عدد سكانها وفقاً لآخر إحصاء (عام 2005) 1008090 نسمة من الكويتيين، في حين بلغ عدد المقيمين من غير الكويتيين حوالي 2043755 نسمة، وهذا يعني أن المواطنين يمثلون ثلث عدد السكان تقريباً، بينما يمثل الوافدون من شتى بقاع العالم أغلبية الثلثين الآخرين.

  1. بدايات النشأة:

أجمع أغلب المصادر التاريخية على أن بداية تاريخ الكويت الحديث تعود إلى عام 1716، حيث كانت تسمى حينها القرين، وقد بناها براك بن عريعر آل حميد، شيخ قبيلة بني خالد عام 1669، وكانت تخضع لحكمه الممتد من جنوب البصرة إلى عمان جنوباً، ثم قام محمد بن عريعر، وهو أحد زعماء بني خالد، ببناء حصن سمّي الكوت في عام 1682، ومن هذا الاسم اشتق اسم الكويت كتصغير لكلمة كوت، التي تعني الحصن أو القلعة التي تبنى حولها البيوت، وتكون ملجأ للسفن ومحطة للتزود بالمياه والمؤن، ومأوى للصيادين والبحارة، الأمر الذي أدى إلى تنامي الحركة التجارية وازدهارها في تلك المنطقة، وشجع الكثير من القبائل على الهجرة والنزوح والاستقرار فيها.

ويمكن القول أن التاريخ السياسي الحديث للكويت قد بدأ مع هجرة العتوب، وهم مجموعة من الأسر المنحدرة من قبيلة عنزة العربية في نجد التي هاجرت من منطقة الهدار في نجد، مروراً بعدة مناطق، إلى أن استقرت في الكويت، وكانت هذه الأسر تضم فروع آل صباح وآل خليفة وآل جلاهمة، وتقدر المصادر أن استقرار هذه الأسر في الكويت تم بين عامي 1672 و1731.

وقد ساهم كثير من العوامل في تزايد الهجرة إلى الكويت، منها الحروب والصراعات السياسية المزمنة بين قبائل شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى المجاعات وانتشار الأمراض وتفشي الأوبئة، الأمر الذي أدى إلى تنامي الهجرة نحو المناطق الساحلية، حيث شكلت الكويت أحد الملاوذ الآمنة لتلك العوائل والقبائل.

ومن خلال دراسة المسيرة التاريخية لهجرة العتوب، يبدو أن تلك الأسر كانت توّاقه إلى الاستقرار لا لتوفير الأمن المعيشي فقط، بل أيضاً لإنشاء نظام متكامل ومستقل بقيادتها، ولعل هذا التوجه انعكس بشكل إيجابي على طبيعة حياة تلك الأسر التي اعتادت على نمط الحياة الصحراوية التي تجبر سكانها على التنقل الموسمي بحثاً عن تحسين الجانب المعيشي، وهو ما كان يسلبها ميزة الاستقرار والتوطن، لا سيما أن المنطقة الساحلية تمتاز بحياة حضرية تساعد على التواصل الخارجي عبر التجارة البحرية وغيرها من سبل التعاون والتواصل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي مع المحيط الجغرافي.

وهناك، أي في الكويت، ومع ازدياد هجرت العائلات والأسر من المناطق المحيطة وتطور طبيعة الحياة، ظهرت الحاجة لقيام نظام لإدارة شؤون الحياة العامة في ظل ضعف حكم بني خالد وتقلص نفوذهم، نتيجة لاستمرار صراعهم مع السلطة العثمانية من جانب، وحروبهم مع قبائل الجزيرة العربية، وخصوصاً الحركة الوهابية آنذاك، من جانب آخر.

ومن ناحية أخرى، استطاعت عوائل العتوب أن تؤسس – ولو بشكل بسيط – نظاماً بدائياً يقوم على أساس اقتسام السلطة والنفوذ ومجالات العمل المختلفة داخل ذلك المجتمع الصغير.

فبينما تمت المبايعة السياسية لآل الصباح، منح الجناح الآخر من آل خليفة وآل الجلاهمة وبعض العوائل الأخرى، السيطرة على الشؤون المالية والاقتصادية التي تمثلت في حرفة الغوص لصيد اللؤلؤ، والتجارة البحرية، وتبادل السلع مع إيران والهند وبعض من الدول المحيطة، بالإضافة إلى التجارة البرية، ولم يلبث هذا التحالف أن انفض بخروج آل خليفة من المعادلة السابقة نتيجة لتحالف آل صباح مع آل جلاهمة، وهو ما حدا بآل خليفة للهجرة جنوباً ثم الاستقرار في البحرين، بعد انتزاع السلطة من آل محمود هناك.

وفي عام 1756، اختار أهل الكويت صباح بن جابر بن سلمان (رئيس أسرة الصباح آنذاك)، حاكماً لهم وفقاً للأعراف القبلية والتقاليد العشائرية، واقتناعاً منهم بضرورة وجود أمير وحاكم يدير شؤون مدينتهم وينظم العلاقة فيما بينهم من جهة، ويوثق علاقاتهم مع المحيط الإقليمي، ولحماية وطنهم من الغزو الخارجي، من جهة أخرى، وقد جرى العرف على أن يقوم وجهاء البلد وشيوخه باختيار الحاكم من آل صباح ومبايعته.

وقد تميزت طبيعة نظام الحكم خلال تلك الفترة، الممتدة منذ مبايعة صباح الأول وحتى ما قبل إعلان الاستقلال عام 1962، بسيادة مبدأين حكمت طبيعة السلطة آنذاك، وهما مبدأ الشورى، وعدم الاستبداد في الرأي والقرار، حيث يلتزم الحاكم باستشارة وجهاء البلد وشيوخه في كل ما يخص شؤون بلدهم، إضافة إلى الالتزام والاحتكام إلى القواعد العرفية والشريعة الإسلامية كقانون واجب التطبيق في حال نشوب المنازعات فيما بينهم.

بمعنى آخر، أصبحت المعادلة الجديدة قائمة على توافق ضمني بين النخبة السياسية الحاكمة وبين طبقة التجار، بحيث استأمن التجار آل صباح على أمور حياتهم في مقابل التفرغ لشؤون معيشتهم، الأمر الذي أدى إلى حالة من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي إلى تحقيق النمو والازدهار في مجال التجارة البحرية، وتحول الكويت إلى ميناء تجاري مهم أخذ يستقطب أعداداً أكبر من المهاجرين، ومن ثم تحولها إلى مركز جاذب لاهتمام الدول الكبرى وتنافسها في محيطها الخارجي.

  1. جدلية العلاقة بين النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية:

(أ) مع نشأة الكويت برزت معادلة جديدة من التحالفات والمنافسات السياسية والاجتماعية، تمثلت بظهور فئة من التجار تسعى إلى تعزيز مكانتها في مواقع القرار بصورة تنعكس إيجاباً على مصالحها الاقتصادية، وتعاظم هذا الطموح طبيعياً مع استمرار النمو الاقتصادي والتطور التجاري الكبير الذي طال الكويت خلال القرنين الثامن عشر والتسع عشر الميلاديين.

ومن الأهمية بمكان دراسة بداية نشأة هذه الفئة وكيفية تأقلمها مع آلية صناعة القرار في الكويت من جانب، وطبيعة تعاطيها كنخبة اقتصادية مع النخبة السياسية الحاكمة ببعديها السلبي والإيجابي من جانب آخر، حتى يتسنى لنا قياس ديناميكية حركة المجتمع وتفاعله مع متطلبات التغيير في العصر الحديث، وتأثيرات هذه العلاقة بين النخبتين في تطور عملية صنع القرار في النظام السياسي الكويتي، ويمكن توضيح مسار العلاقة بين النخبة الاقتصادية التي تمثلت بشريحة التجار والعوائل المرتبطة بها من جهة، والنخبة السياسية التي جسدتها أسرة الصباح والأطراف المقربة منها من جهة ثانية، من خلال الشكل التالي:

العلاقة بين النخبة السياسية والأسر التجارية

هذه المعادلة التي وضعت النخبة السياسية في مقابل النخبة الاقتصادية، بدأت مع نشأة الكويت، حيث ارتضتها أولاً أسر العتوب التي أسست الكويت، كما سبق الذكر، وبالتالي قسمت الإدارة فيما بينها بحيث استلم البعض الجانب السياسي، بينما تسلم البعض الآخر الجانب الاقتصادي، ومع مرور الوقت، وخصوصاً بعد نزوح آل خليفة وآل جلاهمة، جاءت نخبة اقتصادية جديدة هي طبقة تجار الكويت الأوائل، ومنذ ذلك الوقت لم يكن التعاطي السياسي بينهم مبني على علاقة تكاملية، بل كانت علاقة تعاون في صورتها الظاهرية فحسب.

ولكن، مع مرور الوقت، أصبحت العلاقة بين الطرفين محكومة بالجدلية، بحيث أصبحت النخبة السياسية تتطلع إلى المزيد من المكاسب الاقتصادية كي تعزز وجودها في وقت بدأت النخبة الاقتصادية تبحث عن نفوذ سياسي حتى تكون مؤثرة في اتخاذ القرار؛ تلك الجدلية في العلاقة خلقت حالة من المد والجزر في ما يتعلق بالاسترخاء والاستقرار، فكان يسود العلاقة مبدأ التعاون والتكامل تارة، والتجاذب والتنافس تارة أخرى، ومع دراسة التجارب السياسية وقراءة الأحداث التي مرت بها الكويت، وخصوصاً في النصف الأول من القرن الماضي، نجد أن هذه المعادلة كانت تظهر جلية في مواضع عدّة بصورة خلقت تفاعلاً سياسياً كانت له مساهمة فاعلة في التطور الذي طال النظام السياسي في البلد.

(ب) إضافة إلى ذلك، لم يكن من السهل أن تنسلخ الكويت عن تأثيرات محيطها الإقليمي، الذي كان يشهد الكثير من الصراعات، سواءً صراع الدولة العثمانية مع الدولة الصفوية من جانب، أو النفوذ العثماني في منطقة الخليج والصراع القبلي في الجزيرة العربية، من جانب آخر، تلك التأثيرات رسمت انعكاساتها الواضحة على سياسة وإدارة النظام السياسي في الكويت، مما حدا بالطرفين السياسي والاقتصادي إلى تأصيل تجاربهما السياسية بعضهما مع بعض، وعلاقة كل منهما مع الأطراف الخارجية في إطاري التنافس والتجاذب أو الاسترخاء والاستقرار، كثقافة قبل الطرفان التعاطي معها كأمر واقع من ناحية، وكجزء رئيسي يغذي طبيعة التعاطي في الشأن السياسي الكويتي، من ناحية أخرى.

أما على المستوى الدولي، فقد كانت منطقة الخليج منذ القرنين الخامس والسادس عشر، محل صراع ونزاع ما بين الدول الكبرى، بدءً بالهولنديين والبرتغاليين ثم البريطانيين، إضافة إلى كونها كانت محط أنظار القوى الكبرى المنافسة لها من الروس والألمان وغيرهم، إذ كان لكل ذلك تأثيراته السلبية والإيجابية في القرار السياسي في الكويت.

ويمكن القول أن كلا من التأثيرات الدولية والإقليمية شكلت عوامل مؤثرة في العلاقة بين النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية في الكويت، ففي الكثير من الأحيان كانت النخبة الاقتصادية تستعين بقوى إقليمية لتعزيز موقع نفوذها في سلطة القرار، مع ملاحظة أن هناك مجموعة من العوامل والشواهد التاريخية التي تدعم تلك الحقيقة، في المقابل كانت النخبة السياسية أيضاً تستعين وتستقوي في مواجهة النخبة الاقتصادية ببدائل أخرى من المحيط الإقليمي على سبيل المثال، كالاستعانة بالقبائل والعشائر التي تقطن المناطق المجاورة للمساعدة على بسط القدرة والنفوذ في الداخل، والحصول على مكاسب اقتصادية جديدة، بل وصل الحال في بعض الأحيان إلى الاستعانة بالقوى الإقليمية من أجل تعزيز سلطة الداخل.

فقد شهد بعض فترات التاريخ استعانة آل الصباح بالدولة العثمانية وتحالفها مع قبائل بني كعب وآل رشيد، وأيضاً استجلابها للقوى العظمى في منطقة الخليج إلى الكويت من أجل دعمهم وحمايتهم ومساندتهم، وإن كانت بصورة غير مباشرة، وكثيراً ما قام آل الصباح بالاستعانة بالقوى الدولية للحفاظ على وجودهم وكيانهم، مع ملاحظة أنه ربما كان وجود القوى الدولية في المنطقة بشكل عام يصب في مصلحة النخبتين السياسية والاقتصادية، ففي أغلب الأحوال كانت النخبتان تطلبان النصرة والمعونة من المظلة الدولية، ومع مرور الوقت والتطور الزمني والتاريخي حاولت كلتا النخبتين البحث عن مجموعة من العوامل التي تساعدها في قضية التنافس النخبوي، بما في ذلك الاستعانة بالبعدين الإقليمي والدولي.

فالنخبة السياسية على سبيل المثال، أخذت جانب التحالف مع قوى إقليمية وقوى أخرى داخل الكويت في مقابل التجار، ومن الشواهد على ذلك ما قام به الشيخ مبارك الكبير حين اتبع سياسة توسعية عبر الانفتاح الإقليمي والدولي والسعي لزيادة رقعة الكويت جغرافياً، والبحث أيضاً عن مصادر للمال وموارد اقتصادية من طريق فرض الضرائب والرسوم، وفي المقابل كانت النخب الاقتصادية تعزز موقعها في النفوذ السياسي أيضاً من خلال إقامة التحالفات الإقليمية أو المحلية، والمطالبة بمشاركة أكبر في النظام السياسي وتحفيز الشارع على ذلك.

وأما على صعيد التحالفات الخارجية، فقد كانت أداة من أدوات النخبة الاقتصادية التي لجأت إليها كي تعزز مكانتها الاجتماعية ودورها الاقتصادي وموقعها السياسي على مر التاريخ، وخصوصاً في النصف الأول من القرن الماضي، ومع ملاحظة أن النخبة التجارية قامت في المراحل  الأخيرة من العشرينيات والثلاثينيات بترويج أيديولوجيات وأفكار تأثرت بها من محيطها الجغرافي، وساهمت من خلالها في خلق نخب مثقفة وواعية، وهو ما أدى بالضرورة إلى زيادة رصيدها المعنوي أمام النخبة السياسية في البلاد، وليس أدل على ذلك من تأثر الكثير من التجار والنشطاء السياسيين المقربين منهم بالقومية العربية، وتطلعات الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر وأفكاره.

(ج) ومع استمرار تلك الخريطة التنافسية قائمة، أضيف لها في مرحلة لاحقة دور مؤسسات المجتمع المدني والقبائل والعشائر والطوائف وجمعيات النفع العام والنقابات والاتحادات الطلابية وغيرها، الأمر الذي أدى إلى تكوين دائرة  أخرى جديدة في الداخل أضيفت لأطراف المعادلة الأصلية، وبالتالي باتت كل نخبة تحاول أن تستميل هذه القواعد لدعمها في صراعها القائم مع القوى مع الأخرى، وإلى يومنا هذا نرى النخبة الاقتصادية تكتسب قوتها في مقابل النخبة السياسية، من خلال اللجوء إلى الشارع في الكثير من الأحيان، والاستفادة من أخطاء النخبة السياسية في طبيعة معالجة المشكلات لتأليب الرأي العام ضدها كأداة من أدوات الضغط السياسي الذي عادة ما تستثمره في مواقع التنافس التاريخي بين النخبتين.

ثانياً: النظام الدستوري المؤسسي والقانوني في الكويت

مع دخول النظام السياسي في الكويت عهداً جديداً يعتمد على دستور توفيقي بين طرفين هما: الأسرة الحاكمة من ذرية الشيخ مبارك الصباح ممثلة بأمير البلاد، والشعب الكويتي بمختلف قطاعاته وتعدد أطيافه وتنوع ألوانه ممثلاً بنواب مجلس الأمة، وعددهم خمسون نائباً، ومع آلية حكم جديدة من التعاطي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي يتطلب طبيعة مكونات محددة تنطلق من برامج ورؤى وأفكار واستراتيجيات تختلف عن طبيعتها السابقة في الفترة ما قبل العهد الدستوري، مع كل ذلك يمكن اعتبار عام 1962 بداية انطلاقة جديدة للنظام السياسي في الكويت تأطرت بجملة من الضوابط القانونية التي باتت تمثل المرجعية التي تحكم سلوك الجميع، وخاصة سلطة الأمير التي أصبحت أكثر تقييداً والتزاماً عنها في السابق، وأيضاً بقية قوى المجتمع التي ألقيت عليها مسؤولية أكبر بالمشاركة السياسية في رسم القرار وصناعته وتطبيقه وتحمل تبعات إصلاحه وتطويره.

لذا لا بد، قبل دراسة العلاقة بين النخب السياسية والاقتصادية في الحقبة الدستورية الجديدة، من تسليط الضوء على جملة من الركائز التي تمثل في مجموعها الآلة الديمقراطية الجديدة في البلد ما بعد عام 1962، وذلك بهدف إيجاد نقاط القوة ومكامن القدرة في هذا النظام السياسي، تمهيداً لدراسة الشكل الجديد لتطور العلاقة بين النخب السياسية والاقتصادية في البلد.

  1. الدستور وترسخ مبادئ الديمقراطية

الدستور “هو قانون الدولة الأساس، الذي يحدد أسس نظام المجتمع والدولة وتنظيم هيئاتها وتشكيلها ونشاطها وحقوق المواطنين وواجباتهم، ويمثل الدستور تطوراً مهماً في علاقة الدولة بالمواطن، إذ يحقق عملية إخضاع الدولة للقانون باعتباره القانون الأساس للدولة”، ويعد دستور دولة الكويت الصادر في عام 1962م دستوراً مكتوباً وجامداً، لأنه ربط إمكانية تعديله وتنقيحه بشروط وإجراءات خاصة أكثر شدة وتعقيداً من تلك المقررة في شأن القوانين العادية، ومن حيث أسلوب نشأته أو طريقة وضعه، فهو دستور تعاقدي بين الحاكم والشعب.

وقد عمل الدستور على تحقيق التوازن بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي بالأسلوب المزدوج، فمن مظاهر النظام البرلماني أن رئيس الدولة لا يتحمل مسؤولية سياسية مباشرة وذاته مصونة لا تمس لأنه يتولى سلطاته من خلال وزرائه، إضافة إلى الأخذ بنظام الفصل المرن بين السلطات التي تقيم تعاوناً فيما بينها، أما المظاهر الدستورية التي تقترب من النظام الرئاسي فيمكن وضعها في الملاحظات الآتية:

– لم يأخذ الدستور بقاعدة النظام البرلماني التقليدي بالمطلق، وهي القاعدة التي توجب اختيار الوزراء من بين أعضاء البرلمان، بل أجاز اختيار الوزراء من داخل وخارجه.

– لا يحتاج تشكيل أي حكومة جديدة إلى ثقة مجلس الأمة، بل إلى ثقة رئيس الدولة (الأمير) فقط.

– لا يوجد نص على إسقاط الحكومة بشكل كامل من خلال قرار بطرح الثقة، أو عدم تعاون، يصدره مجلس الأمة.

– تنحصر مسئولية الوزارة أمام رئيس الدولة (الأمير)، فرئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحكومة مسؤولون، بالتضامن، أمام الأمير.

  1. دستور دولة الكويت

يتكون دستور دولة الكويت من (183) مادة ومذكرة تفسيرية، قسمت إلى خمسة أبواب أساسية رئيسية، بيّن الباب الأول أن الكويت مرتبطة بالأمة العربية والإسلامية، وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي من مصادر التشريع، وأن نظام الإمارة وراثي في ذرية الشيخ مبارك الصباح، أما نظام الحكم فهو ديمقراطي، والسيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وبيّن الباب الثاني عدداً من المبادئ السامية كالعدل والحرية والمساواة، وجعلها دعامات المجتمع، كما صان الملكية الخاصة والأموال العامة، وأكد أن الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية، وأن الدولة تكفل تضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامة.

يعني الباب الثالث بالحقوق والواجبات العامة، أي حقوق المواطنين وواجباتهم، كالحق في اكتساب الجنسية وعدم جواز إسقاطها إلا بحدود القانون، وعدم جواز إبعاد المواطنين عن الكويت أو منعهم من العودة إليها، وتساوي الناس أمام القانون، وكفالة الحرية الشخصية، وعدم جواز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل، وكفالة حرية الاعتقاد وحرية الرأي والبحث العملي والصحافة، واحترام حرمة المساكن، وإلزامية التعليم ومجانيته، والحق في العمل، وحرية تكوين الجمعيات والنقابات، وحرية التجمع والاجتماعات العامة، وغيرها من المواد الداعمة لحرية الناس في الحياة الكريمة والعزيزة.

أما الباب الرابع، فيبيّن اختصاصات السلطات ابتداءً من رئيس الدولة، الذي يصفه الدستور بالأمير، وأن ذاته مصونة لا تمس، وأنه يتولى سلطاته من خلال وزرائه، ويعين رئيس مجلس الوزراء ويعفيه من منصبه، كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بناءً على ترشيح رئيس مجلس الوزراء، كما يعين الأمير في حالة تغيبه خارج الإمارة وتعذر نيابة ولي العهد عنه نائباً يمارس صلاحيته مدة غيابه، وذلك بأمر أميري، وللأمير حق اقتراح القوانين وحق التصديق عليها وإصدارها، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وله صلاحية إعلان الحرب الدفاعية، والحكم العرفي في أحوال الضرورة التي يحددها القانون، كما لـه حق إبرام المعاهدات بمرسوم شرط إبلاغ مجلس الأمة.

أما السلطة التشريعية ممثلة بمجلس الأمة، فتختص بالتشريع والرقابة على تنفيذ السلطة التنفيذية للقوانين، ولا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة وصدّق عليه الأمير، ويتألف مجلس الأمة من خمسين عضواً ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر، ويعد الوزراء غير المنتخبين بمجلس الأمة أعضاءً في المجلس بحكم وظائفهم، ومدة المجلس أربع سنوات ميلادية، ويشترط على المرشح لعضويته أن يكون كويتياً (بصفة أصلية)، وأن لا يقل عمره يوم الانتخاب عن 30 سنة، وأن يجيد قراءة اللغة العربية وكتابتها، وتتمحور اختصاصات السلطة التشريعية في إقرار مشروعات القوانين والمراسيم والمعاهدات، ومناقشة القرارات وإبداء الرغبات، وتوجيه الأسئلة والاستجوابات للوزراء، وطلبات المناقشة أو التحقيق، وتلقّي ومعالجة العرائض والشكاوي من الموطنين والوافدين، وأيضاً المناقشة والتصديق على الميزانيات العامة وحساباتها الختامية السنوية، وإقرار ميزانية المجلس، هذا ويحق للأمير أن يحل مجلس الأمة بمرسوم يبيّن فيه أسباب الحل، على أنه لا يجوز حل المجلس للأسباب ذاتها مرة أخرى، وإذا حل وجب إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في موعد لا يتجاوز الشهرين من تاريخ الحل.

أما السلطة التنفيذية، فهي الجهة المهيمنة على مصالح الدولة، والمنوط بها رسم السياسة العامة للحكومة ومتابعة تنفيذها، وقد جرى العرف في جل تاريخ الكويت الدستوري على أن يكون رئيس مجلس الوزراء ولياً للعهد، وهو لا يتولى أي وزارة ولا يطرح مجلس الأمة موضع الثقة فيه، ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة عدم إمكانية التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، يرفع الأمر إلى رئيس الدولة (الأمير) الذي لـه أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين حكومة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة، وفي حالة الحل إذا قرر مجلس الأمة الجديد، بالأغلبية ذاتها، عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور، اعتبر معزولاً من منصبه من تاريخ قرار المجلس، وتشكل حكومة جديدة.

ومن أهم اختصاصات الحكومة رسم السياسة العامة للبلد، وتحديد قانون جرائم الوزراء، وتنظيم المؤسسات العامة والهيئات وإدارة البلدية، ووضع الضرائب وتحصيل الأموال العامة وحفظ أملاك الدولة، وإعداد ميزانية الدولة السنوية لمجلس الأمة، واستثمار موارد الدولة، وتنظيم الاحتكار وفقاً للقانون، وتنظيم العملة والمرتبات والتعويضات والإعانات والمساعدات، وحفظ الأمن والسلام في الدولة، وتنظيم الخدمة العسكرية، وإعلان التعبئة العامة أو الجزئية، وغيرها من المسؤوليات الأخرى.

أخيراً السلطة القضائية، وهي الجهة المستقلة التي تكفل حق التقاضي بين الناس، وقد بيّن القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الاستقلال، ويعتمد التشريع في دولة الكويت على الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وتتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع، وتشرف على شؤون الضبط القضائي، وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام، هذا وللقضاء مجلس أعلى ينظمه القانون ويبني صلاحياته (قانون تنظيم القضاء)، ويعين القانون وفقاً للدستور الجهة التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح ويبين صلاحيتها والإجراءات التي تتبعها، ويكفل القانون حق كل من الحكومة ذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح، وينبغي الإشارة إلى أن استقلال القضاء تكرّس بالقانون 10/95 ـ 96.

أما الباب الخامس، فقد بيّن الأحكام العامة والمؤقتة، كإعطاء الأمير وثلث أعضاء مجلس الأمة حق اقتراح تنقيح الدستور بشرط موافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة، وعدم جواز تنقيح المبادئ الخاصة بالحرية والمساواة التي نص عليها الدستور إلا بمزيد من الحريات والمساواة، وعدم جواز تعطيل أي حكم من أحكام الدستور إلا أثناء قيام الأحكام العرفية في الحدود التي يبينها القانون، وغيرها من الأمثلة الأخرى.

ويعد عام 1963 هو العام الذي بدأت معه الكويت تخطو خطواتها الدستورية الأولي نحو النهج الديمقراطي لتأخذ بهذا المبدأ في نظامها السياسي، وقد ركز أول مجلس نيابي منتخب على الإصلاح وتنظيم الدولة، سواءً في المجال الاقتصادي أو الأمني أو الإداري، ووضع أسس الدولة الحديثة المتمثلة في التعاون بين السلطة التشريعية (مجلس الأمة) والسلطة التنفيذية (الحكومة)، وسبل تحقيق الأمن والرفاهية والتطور لصالح الشعب وأجياله القادمة.

ثالثاً: المؤثرات الخارجية ودورها في صنع القرار المحلي

  1. من الطبيعي أن تتأثر دولة صغيرة كدولة الكويت بمحيطها الخارجي بشكل كبير، وقد تتعرض أحياناً لضغوطات خارجية تفرض عليها، وبالتالي تؤثر في عملية صنع القرار، وتحديد موقف الكويت تجاه القضايا العالمية والإقليمية وحتى المحلية في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تتم استمالة عوامل التأثير الخارجية من الداخل، وهذا استمرار لمفهوم الصراع بين النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية الذي تم التطرق إليه سابقاً، وعليه، فإننا في هذا الجزء سنتعرض لبعض القرارات المهمة والمصيرية على المستوى المحلي والدولي، والتي تم اتخاذها بناءً على  نظرية الجدل النخبوي في الكويت.

على سبيل المثال إذا أردنا أن نستعرض مفهوم الدولة الصغيرة بحسب التعريفات السياسية، نجد بأنها الدولة التي لا تستطيع أن تؤثر في النظام الدولي، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها بقوتها الذاتية، لذلك تكون أكثر عرضه للتأثير الخارجي، وحيث أن الكويت دولة صغيرة، إذ تعتبر من بين أصغر خمسين دولة في العالم، فإن هذا التعريف ينطبق عليها، وهذا الوصف يلازمها.

من مفاهيم الدولة الصغيرة أنها أيضاً دولة هشة وأكثر تعرضاً للتأثير الخارجي على عدة مستويات اقتصادية وسياسية وأمنية، والمفهوم هذا واكب الكويت منذ نشأتها إلى وقتنا الحاضر، فالكويت وإلى الأمس القريب، كانت تتعرض للمؤثرات الخارجية بشكل كبير وفي كثير من الأحيان، ورغم أنها تمتلك بعض مقومات القوة، على خلاف بعض الدول الصغيرة الأخرى التي عادة ما تكون فقيرة في إمكاناتها الاقتصادية، ولكن يمكن القول أن الكويت قد عوضت جانب النقص هذا من خلال استفادتها من الثروة النفطية التي تمتلكها، وأيضاً من خلال مساهماتها السياسية والمادية في دعم المجتمع الدولي، الأمر الذي جعل لها وزناً إقليمياً وعالمياً مهماً نوعاً ما.

  1. وقد تكون هذه التأثيرات الخارجية كبيرة بشكل يهدد وجود البلد وكيانها السياسي وديمومته، الأمر الذي ينعكس بشكل كبير أيضاً على مستوى التطور السياسي الداخلي في منظومة الحكم، وهذا ما تعكسه مسيرة الكويت التاريخية، فكلما تعرّضت الدولة إلى هزات خارجية تهدد استمرارها السياسي، نجدها في المقابل قوية في جبهتها الداخلية ومتّحدة ومتراصّة وموحّدة الموقف، على الرغم من الاختلافات الكثيرة بين مكونات المجتمع الكويتي وحالات التنافس الشديدة بين التيارات السياسية والعقائدية فيه والتي شهدتها الكويت على مر التاريخ الحديث، فمجرد الإحساس بوجود خطر خارجي يؤدي بالضرورة إلى اتحاد كل هذه المكونات وتماسكها في مواجهة هذا الخطر، ولا أدل على ذلك من القرار الجماعي الذي اتخذ بشأن حرب تحرير العراق حيث توافق الرأي الشعبي مع الرأي المؤسسي في اتخاذ مثل هذا القرار.
  2. ولكن في المرحلة ما قبل تكوين المؤسسات في الكويت، كان العرف هو الذي يحكم القرار السياسي، فعلى سبيل المثال، تعرضت الكويت في عهد الشيخ مبارك الكبير لحروب وتهديدات خارجية، وذلك نتيجة السياسة التي انتهجها الأمير ليحقق طموحاته في التوسع والانتشار وزيادة مساحة البلد الجغرافية، من خلال جلب القبائل من أطراف الكويت، لتأمين الدعم السياسي في مواجهة التكتل الاقتصادي والنخبة الاقتصادية في الداخل، الأمر الذي تسبب في حروب خارجية مع بعض القبائل والعشائر، كحرب الرقة وحرب هدية.

وعلى الرغم من ذلك، كان إذا شن طرف خارجي حرباً على الكويت، يقف الشعب الكويتي بكل فئاته ومكوناته صفاً واحداً إلى جانب الحاكم ذوداً عن البلد ضد أعداء الخارج، ففي العام 1921، عندما تعرضت الكويت لتهديد من جيش الإخوان والحركة الوهابية في الجزيرة العربية، وكان الاختلاف الكبير واضحاً بين طبقة التجار والنخبة السياسية الحاكمة آنذاك، وقفت تلك الطبقة تحديداً والشعب الكويتي قاطبة إلى جانب الشيخ احمد الجابر في مواجهة التهديد الوهابي، بل إن الكويت استعانت بالوجود البريطاني آنذاك، وقام الكويتيون بتقديم كل أنواع الدعم إلى الحاكم ابتداءً من بناء سورهم “الثالث” حول مدينتهم الآهلة بالسكان، وانتهاءً بخروجهم لحماية مدينة الجهراء التي تعرضت إلى لاعتداء خارجي مباشر.

وفي عام 1961، وإثر إعلان الكويت استقلالها السياسي عن الانتداب البريطاني، كانت الحالة السياسية مقبلة على مرحلة جديدة من النضج، تمهد لإحداث ثورة سياسية جديدة في الكويت؛ ثورة بمعنى مأسسة الإدارات ومراكز اتخاذ القرارات، وتقنين المشاركة الشعبية دستورياً، وفي هذه الأثناء جاءت تهديدات حاكم العراق عبدالكريم قاسم الذي أعلن أن الكويت جزء من العراق، وحيال ذلك ترفع الكويتيون عن خلافاتهم السياسية والفكرية والمنهجية، وعن حالة التنافس والصراع مع السلطة آنذاك، وتناسوا كل الخلافات ليتوحدوا في مواجهة هذا الخطر الخارجي، بل يمكن القول أن الكويت تجاوزت آنذاك عن جزء من سيادتها رغم كونها في بداية الاستقلال، وقامت باستدعاء قوات خارجية تمثلت بالقوات المصرية في زمن الرئيس جمال عبد الناصر، والاستعانة أيضاً بالقوات البريطانية التي كانت قد خرجت لتوها من منطقة الخليج، أو كانت في طريقها إلى الخروج.

وفي عام 1973، كانت الكويت تعيش حالة من التفاعل السياسي الحاد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية عكستها جملة من الجلسات الساخنة في مجلس الأمة، وكانت القضايا التي شهدتها ساحات المجلس مهمة ومصيرية، منها قضية تأميم الثروة النفطية ومحاسبة بعض الوزراء، ولكن، وبمجرد أن تعرضت حدود الكويت الشمالية مع العراق لتهديد عرف باسم “أزمة الصامتة”، توحّد الكويتيون من خلال المؤسسة الدستورية أمام هذا التهديد، وفتحوا المجال أمام القرار المناسب الذي يتخذه الأمير من وسيلة دفاع عن البلد، بما في ذلك الاستعانة بقوات الحلفاء آنذاك، وبقوات أخرى.

ومع مرور الوقت، وإبان الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات من القرن الماضي، شهدت هذه الفترة تحييد القرار الشعبي، ووقف الحياة السياسية في الكويت، وذلك عندما حلت السلطة مجلس الأمة على نحو غير دستوري، وقد لجأت السلطة إلى ذلك خوفاً من امتداد آثار الحرب العراقية-الإيرانية إليها، وخصوصاً أن بوادر التفوق الإيراني لاحت خلال المراحل الأولى من الحرب، ومن جانب آخر قامت الكويت بإيجاد طرق أخرى للدفاع عن نفسها وحماية كيانها بناءً على مبادرة الشيخ جابر الأحمد إنشاء منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من الاحتجاجات السياسية الداخلية في ذلك الوقت، بسبب تعطيل عمل المجلس والحياة الدستورية، فقد لقيت تلك الفترة ترحيباً من قبل النخب السياسية والفكرية، وارتياحاً عاماً من طرف القوى السياسية الفاعلة في الكويت جراء المواقف الخارجية للسياسة الكويتية.

وبعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، بدأت الحياة السياسية في الكويت تشهد زخماً جديداً تمثلت بنزول المعارضة السياسية بثقلها الشعبي إلى الشارع للمطالبة بعودة الحياة السياسية، ورفع التجميد المفروض على مواد الدستور، وفي تلك الأثناء تعرّضت الكويت إلى الغزو العراقي في الثاني من آب/أغسطس 1990، وهنا وافق الشعب الكويتي بكل أطيافه وفئاته وتوجهاته وانتماءاته وقواه السياسية، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والنخب المختلفة بالإجماع، على الاستعانة بقوات أجنبية لتحرير الكويت، وهذا ما تم بالفعل في شباط/فبراير 1991.

تجدر الإشارة هنا إلى طبيعة المعارضة السياسية في الكويت، والتي نستطيع أن نصفها بالمعقدة، إذ تضم شرائح مقسّمة طولاً وعرضاً، وبالرغم من كل هذا التباين الفكري والسياسي والعقائدي والطبقي الاجتماعي، وكل هذه التقاطعات العرقية والتقسيمات المذهبية والقبلية التي تحوي في داخلها أيضاً انقسامات أخرى، فإنه في حالة تعرض البلد لتهديد يمس سيادته أو كيانه السياسي تكون مواقف هذه القوى موحدة في سبيل نصرة البلد والحفاظ على وجود الدولة، وما إن تنتفي التهديدات والأخطار الخارجية حتى تعود الحياة السياسية في الكويت إلى سابق عهدها مرّة أخرى، ويعود التنافس بين القوى، أو بينها وبين النظام السياسي، ويشتد التنافس والصراع ومحاولات الاستحواذ على المصالح العامة في البلاد كل فيما يعنيه.

  1. إن الأمثلة التي تم سردها تعكس حالة الارتباط بين تماسك المجتمع الكويتي وبين التهديدات الإقليمية؛ فكلما ازدادت دائرة التهديد الإقليمية، تندفع الكويت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طلباً للنجدة الدولية، وقد يكون آخر هذه الاندفاعات الحرب على العراق.

ففي عام 2003، عندما اتخذت الإدارة الأميركية قراراً بغزو العراق وإسقاط نظام الحكم هناك، كان دور الكويت مؤيداً وداعماً ومسانداً لهذا القرار، وعلى الرغم من معارضة الكثير من الدول العربية، بما في ذلك بعض دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول الرئيسة في المنطقة، والانقسام الحاد داخل مجلس الأمن، فقد وقف الشعب الكويتي جانب حكومته بالسماح للقوات الأميركية باستخدام الأراضي والأجواء الكويتية لإسقاط نظام صدام حسين، وتم مباركة هذا القرار بالإجماع في جلسة سرية لمجلس الأمة، مع ملاحظة أن نظام صدام حسين كان يمثل تهديداً حقيقياً ومباشراً ومستمراً لوجود دولة الكويت وسيادة الكويتيين على أراضيهم.

وبالتالي فإن الأمثلة والنماذج السابقة الذكر كانت تدل دلالة قطعية على أن التأثير الخارجي الإيجابي كان مقبولا من الفئات والقوى السياسية الكويتية كافة، بغض النظر عن تقسيماتها المتنوعة.

رابعاً: صناعة القرارات (نماذج)

 سنستعرض هنا القرارات المحلية المتعلقة بالقضايا المصيرية التي مرت بها الكويت، وهي القرارات التي كان للمؤثرات الخارجية فيها، سواءً الإقليمية منها أو الدولية، دور كبير، لكنها (أي القرارات) لم تبلغ درجة تهديد سيادة الكيان والوجود السياسي للبلد، بل يمكن القول إنها كانت تعكس بوضوح طبيعة العلاقة الجدلية بين النخبة الاقتصادية والنخبة السياسية.

والحقيقة أن الكويت، وبعد أن سارت في تجربتها الدستورية أكثر من خمسة عقود من الزمن أصبحت من أهم الديمقراطيات في المنطقة، إلا أننا من خلال التطبيق العملي نجد أن مجلس الأمة لا يتمتع بصلاحيات مجدية على الدوام، ولا يكون في بعض القرارات كفيلاً وحده بتمريرها أو بفرض قرارات معينة، بل إن التأثير من خارجه، أي من مكونات الشعب الكويتي باختلاف أطيافه وتعدد مشاربه، يساهم في صناعة بعض القرارات المهمة، التي سنذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) قانون المديونيات الصعبة

جاء قانون المديونيات الصعبة على خلفية انهيار أسعار أسهم سوق الأوراق المالية (البورصة) في بداية الثمانينيات، نتيجة لعدم وجود ضوابط تحكم عمل السوق، بالإضافة إلى بعض السياسات الرسمية التي لجأت إليها الحكومة بعد حل مجلس الأمة في عام 1976، فقد سعت بطرق شتى إلى شراء ولاءات الناس سياسياً، وذلك من خلال إعطائهم بعض المزايا المالية والعينية والنقدية بأسلوب ريعي، وهذا ما تمثل في تلك الفترة بزيادة رواتب جميع العاملين في قطاعات الدولة ومؤسساتها الرسمية، وتوزيع آلاف القسائم السكنية وبشكل لافت، وإعطاء تسهيلات ومزايا كبيرة لفئة التجار، وخصوصاً من كبار أصحاب النفوذ الاقتصادي والاجتماعي.

وقد ترتب على ذلك حالة من التضخم في كل شيء تقريباً، بما في ذلك زيادة قدرة الأفراد الشرائية، الأمر الذي جعل الكثير من الكويتيين يوظفون هذا الفائض المالي والنقدي في سوق الأسهم آنذاك، وأدى هذا التوظيف إلى ظهور ما بات يعرف بالشركات الوهمية والشركات المضاربة في أسهمها، وهو ما تسبب بانفجار حقيقي في أسعار أسهم البورصة آنذاك، أدى إلى أزمة اقتصادية حقيقية عرفت باسم أزمة “سوق المناخ”، وترتب عليها عجز الكثير من المواطنين عن تسديد مديونياتهم، التي سميت فيما بعد بأزمة “المديونيات الصعبة”، هذه المديونيات الصعبة إنما تعكس دور الفئات التجارية (طبقة التجار) على الرغم من صغر حجمها، إلا أنها كانت مؤثرة في صناعة القرار بما في ذلك  قرارات السلطة التشريعية المتعلقة بالمال العام آنذاك.

ورغم أن هذه القضية قد امتدت على مدى 28 عاماً أو أكثر، فإنه لم يتم حسمها إلا من خلال السلطة التشريعية، وذلك عبر إقرار قانون تقدمت به الحكومة وصدر من مجلس الأمة، تقوم الحكومة بموجبه بشراء مديونية هؤلاء المتضررين، وبمبلغ كبير وصل إلى ما يقارب 3 مليارات دينار كويتي (10 مليارات دولار تقريباً)، وهذا إنما يعكس اللوبي الحكومي القوي داخل مجلس الأمة، الذي تمثل بتصويت أعضاء الحكومة وبعض أعضاء مجلس الأمة من الموالين لها لمصلحة إقرار القانون.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الشعب الكويتي عارضت إقرار قانون المديونيات الصعبة، كونه يأتي لصالح طبقة التجار فقط، وفيه هدر غير مبرر للمال العام وصندوق الأجيال القادمة، فقد ساهم التوجه الليبرالي، الذي يشكل جزءً كبيراً ورئيسياً من أعضاء مجلس الأمة في فترة التسعينيات، مساهمة فاعلة في تمرير قانون المديونيات الصعبة، وإن دلت تلك الحقيقة على شيء، فإنما تدل على أن الحكومة يمكن أن تتفق مع فئة التجار إذا ما كان هناك انسجام وتقاطع بين مصالحها ومصالح تلك الفئة، وإن كان ذلك على حساب فئات أو جهات أو مكونات أخرى من المجتمع.

(2) قضية تأميم الثروة النفطية

تم طرح قضية تأميم النفط في منتصف السبعينيات، وقد جاء على خلفية المد القومي الذي اجتاح المنطقة العربية آنذاك، ووصل ذروته أثناء هذه الحقبة الزمنية من القرن الماضي، وكانت المعارضة الرئيسية في بداية السبعينيات، والممتدة منذ عام 1920، تحمل الطابع القومي العربي، وهو ما منح أعضاء المعارضة من القوميين في مجلس الأمة قوة كبيرة لتشكيل جبهة نيابية عريضة حملت شعار تأميم النفط، وذلك على غرار سياسات التأميم التي اتبعتها الحكومات العربية الثورية ابتداءً من حكومة جمال عبدالناصر في مصر، مروراً بحكومتي البعث الاشتراكي في العراق وسورية، وانتهاءً بالحكومة الثورية في ليبيا.

كانت هذه الموجة الشعبية المتعاطفة مع قيادات الأنظمة العربية القومية قد اجتاحت الكويت من خلال تبني رموز المعارضة الكويتية في مجلس الأمة للفكر القومي، وأمام هذا الزخم من التأييد العربي لهذا النوع من المعارضة للوجود الأجنبي، وخاصة في ظل سيطرة موجة العداء للولايات المتحدة وأوروبا الغربية ممثلة ببريطانيا، تم في عام 1975 تمرير قانون يطالب الحكومة بتأميم الثروة النفطية الكويتية، بحيث تمتلك الحكومة الكويتية جميع الشركات النفطية العاملة في حقل النفط بالكويت، وهذا يعتبر من أهم الإنجازات التي حققها مجلس الأمة على امتداد تاريخه السياسي الطويل.

(3) قرار دعم العراق ماديا في حربها مع إيران

عند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في مطلع الثمانينيات، كان هناك تخوف من قبل دول الخليج – ومنها الكويت تحديداً – من انتشار النفوذ الإيراني وشعار تصدير الثورة من قبل الجمهورية الإسلامية الحديثة في ذلك الوقت، ومع بداية الحرب تعززت روح القومية العربية ضد إيران من جهة، وتعززت النعرة الطائفية في منطقة الخليج من جهة أخرى، باعتبار أن هذه حرب بين نظام عربي يمثل “السنّة” بصورة غير مباشرة، في مقابل نظام فارسي (غير عربي) يمثل “الشيعة” بصورة غير مباشرة.

ولذلك نجد أن الحكومة الكويتية قد ألقت بكل ثقلها السياسي والإعلامي والمادي دعماً لحكومة صدام حسين خلال ثمانية سنوات من الحرب، وذلك بقرار باركه مجلس الأمة أيضاً بسبب وجود  قوى سياسية ذات ميول قومية، وقوى سياسية أخرى ذات توجهات إسلامية “سنية”، وكانت تلك الميول والتوجهات تمثل الأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس الأمة الكويتي في مطلع الثمانينات، وجرى التصويت على إعطاء أكبر قرض مالي للعراق بموافقة جميع أعضاء المجلس، باستثناء النواب الشيعة الثلاثة في ذلك الوقت.

(4) قرارات الإصلاح السياسي والاقتصادي

من القرارات المهمة التي يجب أن تدوّن ضمن محطات تاريخ الكويت السياسي، وخصوصاً في الفترة التي أعقبت تحرير الكويت من الغزو العراقي، القرار المتعلق بالانفتاح السياسي ورفع شعار الإصلاح من خلال مجلس الأمة، وقد تمثلت هذه القرارات المهمة في تغليب الجانب الرقابي والمحاسبي للأداء الرسمي ومحاسبته من خلال الحكومات المتعاقبة، إذ شهد البلد في الفترة التي تلت التحرير قفزة كبيرة ونوعية في الحياة السياسية الكويتية بشكل عام، وتحديداً في النظام الدستوري الكويتي، واكتسبت هذه الفترة قوتها من خلال بعدين رئيسين هما:

البعد الأول: واقع أن الدولة خرجت للتو من احتلال كامل لأراضيها، وأصبحت محط أنظار معظم دول العالم عندما وقفت مع الحق الكويتي، وأعلنت أن موقفها مستمد من احترام القانون الدولي، فضلاً عن أن الحياة الديمقراطية، التي كان أهل الكويت يتمتعون بها، كانت عاملاً مهماً أدى إلى كسب التعاطف الدولي، لا سيما أن الصورة السياسية آنذاك تجلت في اجتياح نظام ديكتاتوري وشمولي في العراق لأراضي دولة يتمتع أهلها بنظام ديمقراطي، وهذا ما دفع الكثير من دول العالم إلى مساندة الكويت، وقلما يحدث في التاريخ الحديث أن تنال دولة صغيرة بحجم دولة الكويت دعم تحالف من 33 دولة من القارات كافة ومن مختلف المستويات، أي دول عظمى، ودول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ودول عربية وأخرى إسلامية، إضافة إلى دول من أميركا الجنوبية وأسيا وأستراليا.

البعد الثاني: واقع أن الكويتيين بشكل عام، والقوى السياسية بشكل خاص، حاولوا فرض أجندة جديدة لطي الصفحات القديمة بصورة يتم من خلالها إزالة التخوفات التي كانت قائمة أثناء فترة ما قبل الغزو العراقي، فقد قامت هذه القوى برفع السقف السياسي إلى أقصى درجة، بأن طالبت بالإصلاح على الصعد الاقتصادية والسياسية والإدارية، وقد وقعت القوى السياسية جميعاً في ذلك الوقت ما يعرف بالميثاق بينهم سميّ بـ”الورقة المستقبلية”، وهو ما هذه أعطى هذه المطالبات زخماً شعبياً كبيراً، إذ ظهر الميثاق قبل انتخابات مجلس الأمة في عام 1992، وعلى ضوئه اتفقت القوى السياسية على إهمال كل ما يؤدي إلى الخلاف والتراشق فيما بينها، وتفعيل كل ما من شأنه أن يجمع بينها من خلال تبني برامج موحدة، وخلق أرضية مشتركة تمهد للمطالبة بالإصلاح السياسي الشامل في البلد، وتعويض الفترة السياسية الحرجة التي مرت بها الكويت في عقد الثمانينات ومطلع التسعينات.

ومن ضمن المطالب المهمة، التي برزت أول مرة بتاريخ الكويت السياسي، مطلب تكريس مفهوم تداول السلطة، وكان من ذلك فصل رئاسة الوزراء عن ولاية العهد تمهيداً للمطالبة بتعيين رئيس وزراء من خارج أعضاء الأسرة الحاكمة، أي أن يكون رئيس مجلس الوزراء شعبياً أو منتخباً من عامة الشعب، إذ إن استمرار دمج المنصبين يوقع النواب في حرج سياسي كبير، ويعيق مساءلة الحكومة سياسياً، أو حتى مساءلة رئيس مجلس الوزراء لكونه يمثل صفة مصونة هي صفة ولي العهد، الذي يتمتع بحق أن يصبح أميراً للبلاد في المستقبل.

هذا من جانب، ومن جانب آخر دافعت المعارضة السياسية بأهمية الفصل بين المنصبين بحجة أنه سيساعد على تطبيق المادة السابعة من الدستور، التي تنص على أن الأمة مصدر السلطات جميعاً، وهو ما يتطلب أن تكون الحكومة شعبية، وأن يكون رئيس مجلس الوزراء هو من عامة الشعب، وهذا ما سيسهل محاسبتهما بما لا يؤثر في الحاكم تأثيراً سلبياً.

وتجدر الإشارة إلى أن السلطة السياسية في الكويت التزمت منذ عام 1963، أي منذ أول حكومة دستورية حتى الآن، بعرف ترؤس أحد أفراد الأسرة الحاكمة للحكومة، بالإضافة إلى وزارات السيادة كوزارتي الداخلية والدفاع على سبيل المثال، فكانت المطالبة بأن يعطى الشعب دوراً أكبر في المشاركة من خلال مفهوم تداول السلطة، وهذا ما يتطلب عدم الالتزام بالأعراف الدستورية المشار إليها سابقاً.

خامساً: التغيرات السياسية والمطلبية

  1. من هنا نستطيع القول أن الحياة السياسية في الكويت انقسمت إلى أربع مراحل زمنية، إذا ما استثنينا مرحلة “نشأة الدولة” التي كانت قائمه على النظام البدائي البسيط، وجمعت ما بين القبلية ونظام الشورى في الإسلام، واستمرت حتى عام 1920، كما سبق وأشرنا في بداية البحث، ثم ظهرت مرحلة جديدة بعد حكم الشيخ أحمد الجابر واكبتها مفاهيم جديدة متمثلة في المطالبة الشعبية بالمشاركة الحقيقة في السلطة، التي استتبعتها إجراءات مثل إقامة الدوائر الحكومية والتي كانت تأتي عن طريق تعيين الرموز الاجتماعية والتجارية في البلد، ثم جاءت المطالبات أيضاً بمجلس للشورى يكون عضداً للحاكم وداعماً له، وتطورت الأمور إلى أحداث 1938 التي تمثلت بالمطالبة الشعبية الواضحة والحقيقية في المشاركة السياسية في السلطة، وإجراء الانتخابات النيابية، وهذه المرحلة نستطيع أن نسميها مرحلة “مأسسة النظام”.

أما المرحلة التي أعقبت ذلك، فهي مرحلة “دسترة النظام” وبدايات نشأة الدولة بمفهومها المؤسسي والدستوري، وكانت الشريحة المتصدية لهذا الأمر هي النخبة الاقتصادية والتجارية التي كانت تستحوذ على النفوذ الاجتماعي وتملك القدرة المالية، وهي أيضاً النخبة المثقفة التي تلقت التعليم، وبالتالي كانت تحاول أن تستفيد من تجارب وخبرات الدول الأخرى المنفتحة عليها.

وقد وصل المجتمع الكويتي إلى هذه المرحلة بعد المرور بالمراحل سابقة الذكر، وهي المرحلة البدائية في “نشأة الدولة”، ومرحلة “مأسسة النظام”، ومرحلة “دسترة النظام”، إلى أن وصلت البلاد إلى المرحلة الرابعة والتي مازالت تعيشها الكويت الآن وهي مرحلة “شعبية النظام”، إذا صح التعبير، ونعني بذلك تعميم النظام السياسي بحيث لم تعد معه ممارسة الديمقراطية والنظام الدستوري والمؤسسي حكراً على فئة معينه من المجتمع، بل جميع قطاعات المجتمع الكويتي وفئاته التي باتت تشارك في العملية السياسية.

فإذا نظرنا إلى المراحل السابقة نجد أن المطالبات السياسية كانت محدودة باستثناء الفترة بين عامي 1921 و1960، التي كانت مرحلة تبلورت فيها حالة من النضج السياسي والتفاعل المحدود مع الأفكار والرؤى والتطلعات السياسية، ومحاولة ترجمتها بشكل حقيقي على أرض الواقع، وقد تحقق ذلك فعلاً من خلال دخول البلد حياته الدستورية في مطلع الستينيات من القرن الماضي، ولكن هذه الحياة بقيت مشوبة بالجمود، وذلك لأن الدستور الكويتي جامد في طبيعته وصعب التغير، بل إنه يشمل على بعض المواد التي لا يمكن تعديلها، كالأحكام الخاصة بالنظام الأميري، ومبادئ الحرية والمساواة استناداً إلى المادة 175 من الدستور من جانب، وكون عملية التعديل تتطلب تأييد أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الأمة وتصديق الأمير استناداً إلى المادة 59 من الدستور، من جانب آخر.

  1. وفي المرحلة الجديدة التي يمكن تسميتها بمرحلة “شعبوة النظام”، ارتفع مستوى الطرح السياسي بشكل غير مسبوق، واتخذت قرارات كثيرة وجريئة تعكس مدى التطور والنضج في هذه المرحلة، فعلى سبيل المثال، تم كسر الحاجز النفسي فيما يتعلق بإنشاء الأحزاب السياسية في الكويت، بعد أن كان إنشاء الأحزاب يعتبر خطاً أحمر بالنسبة للحكومات السابقة، والجديد في ذلك أن القوى المخضرمة والعريقة والممتدة على مر تاريخ الكويت السياسي كالمنبر الديمقراطي والحركة الدستورية الإسلامية والتحالف الإسلامي الوطني والتجمع السلفي وآخرين، كانت تخشى تبني كلمة “حزب”، بينما تبنتها بصورة واضحة وجلية مجموعة من الشباب المثقف الواعد والجريء من الذين لا يمثلون النخب السياسية، بل يمثلون الطبقة العادية والمتوسطة من المجتمع الكويتي؛ إذ أعلنت تلك المجموعة تأسيس حزبها المسمى “حزب الأمة”، وبالرغم من أن أفراد المجموعة لوحقوا قانونياً، فإنهم تخطوا هذه العقبة، واستمروا في نشاطهم السياسي في إطار أدبيات حزبهم السياسي، وهو ما أدى إلى انكسار الحاجز النفسي بينهما.

ومن المطالب والطموحات والإنجازات التي تحققت فعلاً خلال هذه المرحلة، بفعل الضغط المستمر، فصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء في عام 2003، وهنا يمكننا القول أن الظروف الصحية لسمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء آنذاك، الشيخ سعد العبدلله، ساعدت كثيراً على الترويج للمطلب الشعبي، كما ساعد ذلك وجود بديل آخر من الأسرة الحاكمة يمكنه أن يسد الفراغ ويساعد في تحقيق مطلب الفصل بين المنصبين، ولكن ترسخ هذا المفهوم بصورة جلية مطلع الألفية الثالثة، واستمر كأمر واقع حتى في الحقبة الجديدة التي تلت وفاة الشيخ جابر، وبهذا الفصل بين المنصبين تم اختيار ولي عهد جديد ورئيس مجلس وزراء جديد.

أما في العهد الجديد، وبمجرد أن تمت مبايعة الشيخ صباح الأحمد أميراً للبلاد، وفي أثناء مراسيم اختيار ولاية العهد، كما هو متبع في الإجراءات الدستورية، وبمجرد أن تسرب بعض المعلومات القائلة إن الأسرة الحاكمة ترغب في إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً وفي دمج منصبي ولاية العهد ورئاسة الوزراء، بادرت القوى السياسية والمؤسسات الشعبية إلى المطالبة بقوة وإصرار بعدم دمج المنصبين باعتبار الدمج نوعاً من التراجع غير المبرر للمكتسبات السياسية أو الشعبية التي تحققت، وباعتبار الفصل بينهما استحقاقاً مرحلياً طبيعياً للتطورات السياسية التي يمر بها البلد، ولا يقبل أن يمس.

وكان ضمن سلة المطالبات المهمة التي رفعتها أيضاً القوى السياسية والتكتلات الشعبية في مجلس الأمة، المطالبة بعدم حصر إسناد الوزارات السيادية في أفراد الأسرة الحاكمة دون غيرهم من أبناء الشعب، وهو الأمر المتبع منذ استقلال الكويت حتى الوقت الحاضر بحكم العرف لا بحكم الدستور الذي ليس فيه مادة صريحة تنص على وزارات السيادة، أي وزارات الداخلية والخارجية والدفاع، وبرزت مطالبة جدّية بعدم ضرورة إسناد هذه الحقائب الوزارية إلى فئة معينة من المجتمع دون غيرها، ويعتبر هذا المطلب خسارة سياسية حقيقية للحكومة، ولكن أمام موجات المطالب الشعبية اضطرت الحكومة خلال فترة التسعينيات إلى التخفيف من الضغوط عليها بتعيين نائب للرئيس في مجلس الوزراء من عامة الشعب، وهذا تطور مستمر إلى الآن.

ومن ضمن المطالبات التي نادى بها أعضاء مجلس الأمة أيضاً، ومختلف النخب السياسية والمثقفة في قضايا الإصلاح، واكتسبت زخماً شعبياً كبيراً، المطالبة بإقرار حقوق المرأة السياسية انتخاباً وترشيحاً، وكان لا بد أن يكون للمؤثرات الخارجية دور في هذا الشأن، وخصوصاً بعد أن أصبحت الكويت محط أنظار العالم كإحدى تداعيات مرحلة الغزو والتحرير مطلع التسعينيات، إذ كان لا بد للكويت من إحداث قفزة نوعية في حياتها السياسية لكي تحافظ على مصداقيتها في الجانبين الديمقراطي والحقوقي، مع ملاحظة أن الكويت كانت تتمتع بسمعة جيدة فيما يتعلق بوضعها الديمقراطي إذا ما قورنت ببقية دول مجلس التعاون الخليجي أو حتى سائر الدول العربية الأخرى.

كما أن المطالبات بإقرار حقوق المرأة السياسة لم تكن جديدة، بل كانت موجودة منذ بداية الحياة الدستورية في الكويت، أي منذ عام 1962، واستمرت في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، مع ملاحظة تفاعلها شعبياً، وبشكل أكبر في التسعينيات، بعد فترة التحرير، إذ لم تكن الحكومة مقتنعة طوال هذه الفترة بالعمل الجاد لإقرار تلك الحقوق حتى فترة الغزو العراقي للكويت في عام 1990، حين تعهد الأمير الشيخ جابر الأحمد في مؤتمر الطائف إبّان الاحتلال العراقي للكويت مطلع التسعينيات، بأن تفتح الكويت بعد التحرير صفحة جديدة تكون فيها المشاركة الشعبية أوسع، ومن ضمن هذه المشاركة إقرار حقوق المرأة السياسية.

  1. أما بعد التحرير، فقد كانت هناك أكثر من تجربة لإقرار حق المشاركة السياسية للمرأة في الأعوام 1992 و1996 و1999، ولكن المعارضة السياسية كانت قوية جداً ضد إقرار هذه الحقوق، وربما المحك الكبير عندما سقط القانون عام 1999، بـ32 صوتاً في مقابل 33 صوتاً، واستمر التصعيد الرسمي والشعبي لصالح إقرار هذا الحق حتى عام 2003، حين رمت الحكومة بكل ثقلها لدعم إقرار الحقوق في مجلس الأمة، إلى درجة أن معلومات سرت فحواها أن الحكومة اشترت هذا القانون من خلال دفع الرشاوى المالية لبعض النواب من أجل ضمان أصواتهم لمصلحة هذا القانون، الأمر الذي سبب أزمة كبيرة تم على أثرها استدعاء أحد القيادات الأمنية إلى النيابة، وكثر الكلام حول هذا الموضوع بشكل يعطينا مثالاً على أن الحكومة مستعدة لاتخاذ خطوات غير دستورية ولا أخلاقية أيضاً في سبيل تمرير القرارات التي تريدها في بعض الأحيان، في حال توفرت الفرصة لذلك.

ومن النماذج أيضاً ضمن المطالبات في الإصلاح الاقتصادي والسياسي والإداري قضية “حقول الشمال” وقانون “الخصخصة”، اللذان طرحتهما الحكومة من باب الانفتاح وتنويع مصادر الدخل القومي، وزيادة كفاءة الإنتاج النفطي عن طريق السماح للمستثمر الأجنبي بالدخول مباشرة في هذه القطاعات الحساسة، وخصوصاً القطاع النفطي، وهنا يمكن رصد بداية صراع من نوع آخر، حيث تقاربت وجهات نظر النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية في مواجهة مجموعة جديدة من الطبقة المتوسطة في المجتمع ممثلة بأعضاء مجلس الأمة الذين وقفوا بقوة ضد هذين المشروعين باعتبار أن فيهما عودة لسياسة الاستعمار الغربي والمشاركة النفطية، ومسّاً صريحاً بالمكسب الشعبي الذي جاء به مجلس الأمة فترة السبعينيات، وهو تأميم النفط.

تجدر هنا ملاحظة أن قانون “حقوق الشمال” كان في أدراج مجلس الأمة منذ العام 1992، ولم يتم إقراره رغم التنازلات الكثيرة التي قدمتها الحكومة في تعديل هذا القانون، وذلك بسبب إصرار المعارضة النيابية الجديدة على أن تأتي الحكومة بقانون متكامل كمدخل أساسي وشرط مسبق لإقراره، وملاحظة أن الدستور يحظر ذلك في مادته القائلة بأن الثروة النفطية ملك للشعب ولا يمكن التفريط بها أو التنازل عنها، أما قضية “الخصخصة”، فقد مرت منذ عام 1992 بعدة مراحل، إذ اضطرت الحكومة أيضاً إلى تقديم تنازلات كثيرة لتحسين هذا القانون، ولكن الرفض الشعبي، متمثلاً بكتلة المعارضة النيابية الشعبية الجديدة، وقف ضد تمرير هذا القانون رغم الضغوطات الخارجية التي جاءت من مؤسسات اقتصادية كبرى، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

  1. ومن الشواهد الكبيرة على قوة مجلس الأمة في اتخاذ القرار خلال هذه المرحلة هي طريقة تعاطيه مع قضية تعديل الدوائر الانتخابية، وقضية عزل الأمير، فقد جاءت الدعوة إلى تعديل الدوائر الانتخابية بناءً على اتهامها بأنها كرست الطائفية والفئوية والقبلية، وأنها كانت دوائر صغيرة جداً، بحيث يمكن للحكومة التحكم فيها من خلال وسائل كثيرة، منها تمكين الموالين للحكومة من المرشحين للانتخابات النيابية من إنجاز معاملات المواطنين غير القانونية، وهو ما كان يؤدي إلى انتشار بعض العيوب الانتخابية، مثل ظاهرة شراء الأصوات (الرشوة)، وظهور من يسمّون “نواب الخدمات” الذين تفتح لهم أبواب مؤسسات الدولة لإنجاز معاملات غير مستحقة، إضافة إلى تساهل الحكومة الواضح مع ظاهرة الانتخابات الفرعية المجرّمة قانونياً، لذلك كانت هناك مطالبات قوية وصلت ذروتها في الفصل التشريعي العاشر عام 2003، ودعت الحكومة إلى الكف عن التدخل في العملية الانتخابية في البلد.

تلك المطالبات، التي بدأت تتزايد إلى درجة أنها أحدثت أزمات حقيقية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بلغت أوجها في عام 2005، حين استطاع نواب المعارضة في مجلس الأمة أن يقودوا الشارع الكويتي إلى التظاهر والاعتصام أمام مجلس الأمة وداخله، الأمر الذي أدى إلى تقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء، وهذا ما سجّل كسابقة تاريخية تحدث لأول مرّة، وبناءً عليه تم حل مجلس الأمة والدعوة إلى انتخابات جديدة.

المثال الآخر الذي قفز بسقف الديمقراطية في الكويت إلى أقصى حد هو قضية عزل الأمير، إذ كان قراراً مهماً وحيوياً شكّل قفزة نوعية للممارسة الديمقراطية الكويتية أثارت إعجاب الكثير من المراقبين للشأن السياسي الكويتي، وأضاف دليلاً آخر على أن الكويت تتمتع بنضج سياسي، فهي أول من بدأت في تأسيس ما سمي بالدوائر الحكومية بين دول مجلس التعاون الخليجي، وأول من بدأت في الخروج من النظام العشائري البسيط إلى مرحلة النموذج المؤسسي المتطور في الحكم، ثم التطور إلى النظام الدستوري والانتخابات الحرة والمباشرة.

وبالرغم من مرور تلك القفزات النوعية بعثرات وتقلبات سياسية كثيرة وكبيرة، فإنها حافظت على نفسها، ويمكن القول، إن دول الخليج الأخرى بدأت منذ منتصف التسعينيات بالمضي قدماً نحو الاقتداء بالنموذج الديمقراطي الكويتي، ولو من خلال بعض الخطوات البسيطة أو المرحلية، فنرى على سبيل المثال، دولة الإمارات العربية المتحدة العربية تجري في عام 2006 انتخابات جزئية محدودة جداً تمثلت في أعطاء مجموعة صغيرة لا تتجاوز 7000 شخص حق الإدلاء بأصواتهم لانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الذي هو في الأصل مجلس شورى فاقد للصلاحيات التشريعية والرقابية، وكذلك نرى أمواج التطور السياسي تجتاح سلطنة عمان والعربية السعودية بصورة باتت تفرض عليهما نمطاً سياسياً جديداً كتأسيس مجلس شورى، وإن يكن غير منتخب شعبياً، وإجراء انتخابات في مجالس المحافظات البلدية، وإن كانت محدودة الصلاحيات.

هذا الزخم الذي حدث في منطقة الخليج في تشكيل ملامح بدائية وخاصة للحياة الديمقراطية هناك، ساهمت في تقريب دول الخليج سياسياً من النظام السياسي الكويتي الذي كان متفوقاً دائماً في هذا المجال، فالكويت كانت دائماً النموذج الذي يحتذي به في منطقة الخليج في الجوانب المتعلقة بالمشاركة الشعبية والحياة الديمقراطية والحقوق السياسية للإنسان، لذلك كانت القفزة التي حققتها السياسة الكويتية من خلال أزمة الحكم المتمثلة بعزل الأمير ومبايعة أمير جديد، والتصدي لها بهدوء وعقلانية، وفي الإطار الدستوري ودون تفاقم الأزمة وانعكاسها السلبي داخل الأسرة أو عند الشعب، تعتبر قفزة نوعية وخطوة موفّقة أعادت إلى الكويت مكانتها كنموذج يحتذي به في المنطقة.

سادساً: تأثير العوامل الداخلية على صنع القرار

  1. تعتبر الكويت حالة سياسية فريدة من نوعها، فهي من جهة تملك نظاماً دستورياً متطوراً ومستنداً إلى تاريخ طويل جداً من التطور السياسي والدستوري الذي بدأ مع بداية نشأة الكويت منذ نهاية القرن السابع عشر إلى الآن، أي حوالي 300 عام، وكان كيان الكويت السياسي يمر خلالها بعملية نضج ومأسسة وتقنين، ولكن التاريخ سجّل أيضاً في المقابل مجموعة من العوامل الداخلية المؤثرة التي كان لها دور كبير في صوغ القرار السياسي، ومنها المجتمع الكويتي الذي يضم مجموعة كبيرة من العناصر التي يمكن أن يكون لها تأثير فاعل في عملية اتخاذ القرار، كالتقسيمات الطبيعية الموجودة إبان نشأة الكويت، ومنها تقسيمات اجتماعية، تقسيمات قبلية، وتقسيمات طائفية ومذهبية وفئوية وعائلية.

فعلى سبيل المثال كانت الكويت تنقسم اجتماعياً إلى طبقتين: طبقة التجار وطبقة الفقراء، ولا يزال هذا الانقسام مستمراً إلى اليوم؛ إذ أن الكثير من الاعتبارات الاجتماعية والمهنية باتت تسوق إلى تكريسها، إضافة إلى ذلك، كانت هناك مجموعة من القبائل العربية التي تنامت مع مرور الوقت، وتكاثرت وحافظت على انتمائها القبلي الضيق، وهناك أيضاً فئات حضرية وتقسيمات طائفية ومذهبية، وهي منحصرة بطائفتي الشيعة والسنة الموجدتين أصلاً منذ بداية نشأة الكويت، وقد يعود السبب الأساسي إلى استمرار كل طائفة في المحافظة على خصوصياتها العقائدية وانتماءاتها الفكرية، مع عدم إظهار اكتراث أو حماسة بشأن رؤى تكفل تقارب الطرفين.

والمفارقة هنا أنه على الرغم من امتداد أمد العمل المؤسسي والتطور التاريخي والنضج السياسي، ومرور المجتمع الكويتي بمراحل تاريخية متطورة باستمرار، فقد ظلت هذه التركيبات قائمة، بل بدأت تتعزز يوماً بعد يوم، بمعنى آخر، إذا أردنا أن نقسم الكويت إلى مذاهب وقبائل وطبقات اجتماعية وعائلية، سنجد أن تلك الفئات لا تمثل امتداداً للفئات لذاتها التي وجدت وترعرعت في الكويت، بل أكثر من ذلك، فزيادة حس الانتماء الضيق لكل شريحة من تلك الشرائح يجعل القبلي – مع مرور الوقت – يتفاعل مع انتمائه القبلي أكثر من تفاعله مع انتمائه الوطني، كما أن الكثير من أتباع المذاهب من المواطنين يعتبرون المذهبية هي الأساس الذي يحكم سلوكهم على حساب مفهوم المواطنة، وينسحب الأمر أيضاً على التجار، الذين استطاعوا الحفاظ على وجودهم الطبقي ومكتسباتهم الاقتصادية، وأحاطوا أنفسهم بهالة اجتماعية وبجدار يمنع دخول الآخرين، وعلى الرغم من أن الكويت دولة غنية ومتنوعة ومتعددة في مواردها الاقتصادية بالمفهوم الاستهلاكي، فأن فئة التجار التقليديين كانت تمثل أصل هذه الطبقة في الكويت، وهي ما زالت محافظة على خصوصياتها وانتمائها الضيق إلى درجة لا يسمح باختراقها من قبل شريحة التجار الجدد بأن تخترقها، ولنا في غرفة التجارة والصناعة شاهد حي على ذلك، ولكل طبقة وشريحة من هذه الطبقات والشرائح دور مباشر أو غير مباشر في اتخاذ القرار السياسي، الذي يحدده حجم نفوذها ومكانته في مراكز القوة.

  1. وإضافة إلى المكونات الطبيعية سابقة الذكر، ظهرت أيضاً مؤسسات المجتمع المدني، فباتت الكويت تعتبر اليوم من أكبر الدول في المنطقة العربية من حيث منظمات المجتمع المدني؛ إذ فيها أكثر من 300 جمعية للمنفعة العامة، ومن جانب آخر هناك التنظيمات السياسية، العقائدية منها والأيدولوجية والفكرية والمنهجية، ففئة التجار، على سبيل المثال، متعددة التقسيمات، ولكل تقسيمة كيانها ومبادئها وإطارها التنظيمي الخاص بها، أكان كبيراً أو صغيراً، معقداً أو بسيطاً.

إضافة إلى ذلك، تتشكل الاتحادات والنقابات والجمعيات الخيرية وجمعيات المنفعة العامة من عدة قطاعات وانتماءات مختلفة، يعبّر بعضها عن أفكار وأيدلوجيات متنوعة، بل يعتبر بعضها امتداداً لجمعيات عالمية وإقليمية، مثل الهلال الأحمر وجمعيات حقوق المرأة والنقابات العمالية والاتحادات الطلابية، وقوى وتنظيمات سياسية أخرى يصل عددها إلى 15 قوة وتنظيماً، وإلى جانب هذه التقسيمات كلها، هناك تقسيمة مهمة ومؤثرة جداً في صناعة القرار السياسي، وهي “الديوانيات” والملتقيات الاجتماعية والعائلية، فالـ “الديوانية” في الكويت، على سبيل المثال، تعتبر من أهم العوامل والقوى التي تساهم في اتخاذ القرار، ولا نبالغ إذا قلنا بأن الكثير من القرارات المصيرية في الكويت تبدأ صناعتها في الديوانية، ومن ثم تنتقل إلى مناقشتها في مجلس الأمة أو حتى في مجلس الوزراء، وبالتالي فإن “الديوانية” ملتقى اجتماعي قضت الأعراف الكويتية بأن يلتقي الناس فيها بسبب الترابط والعلاقات والجيرة القوية، ثم كانت المنتديات، التي أخذت منحى متطوراً كالديوانيات، فحملت أسماء أسر وعوائل معينة، وظهرت ديوانيات أخرى خاصة بالمهنيين، كديوانية الصيادين وديوانية القلاليف، والفنانين التشكيليين، والرياضيين، والأطباء، والأكاديميين، والمهندسين، والمعلمين، وهناك ديوانيات تمثل ملتقيات اجتماعية وترفيهية كديوانيات الشباب والشيبة والنساء والرجال، بمعنى آخر، تشكل الديوانية الكويتية عصب التواصل الاجتماعي في الكويت، ومن الطبيعي أن يكون لها، في ظل كثرتها وتعددها، دور كبير في التأثير في أصحاب القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وغير ذلك، وبالتالي فإن الديوانيات تعتبر نواة حقيقية يقاس من خلالها موقف الرأي العام المحلي تجاه القضايا المصيرية ومن أداء الحكومة العام، بحيث يمكن أن تشكل مجموعات ضغط في شأن اتخاذ القرار.

 وما يعزز دور الديوانيات وجود أعضاء مجلس الأمة بالذات فيها، حيث يتم ترشيحهم وتزكيتهم في الانتخابات من خلال تبني تلك الديوانيات لهم، بمعنى آخر أن الديوانيات هي التي تعطي الدعم والقوة والإسناد، وهي التي تراقب في الوقت نفسه سلوك النائب في المجلس، وتحاسبه حين يقصّر، الأمر الذي يؤثر في صوغ المواقف ومن ثم القرارات التي يتخذها هؤلاء في مجلس الأمة، ويجدر ملاحظة أن عدد الديوانيات تعدى الـ 6000 ديوانية متنوعة ومنتشرة في معظم أنحاء الكويت.

وإذا أخذنا كل ما ذكرناه من تقسيمات طبيعية ومؤسسية وغيرها، نجد أن هذا العدد من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات بكل أنواعها وتفصيلاتها، يفوق كثيراً القدرة الاستيعابية للكويت كدولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 18 ألف كم2، ولا يتجاوز عدد سكانها المليون مواطن، ويعتبر هذا أحد أهم الأسباب التي أعاقت انصهار المجتمع في بوتقة التكامل الوطني المبني على رؤى أو فلسفة أو فكر موحد بغية إذابة كل هذه الانقسامات.

  1. وهنا نرى أن القرارات في الكويت، ونتيجة هذه التداخلات وتأثيراتها على متخذي القرار من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية أو من أبناء الأسرة الحاكمة، ونتيجة للتفاعل شبه اليومي من خلال الزيارات والالتزامات الاجتماعية وواجبات العزاء والأفراح، أبقت التواصل الاجتماعي موجوداً من خلال الديوانيات، فالتأثيرات مستمرة ومتواصلة ومتنوعة في آن واحد، وهو ما يؤدي إلى أن القرارات في الكويت باتت في الكثير من الأحيان تعيش حالة من الارتجالية ذات الطابع غير المدروس وغير الخاضع لتقييم مؤسسي متكامل أو رؤية منهجية علمية سليمة، فمن الممكن، مثلاً، أن تراود أحد أعضاء مجلس الأمة أو وزير فكرة من لدن ديوانية ما، فتجري مناقشة الفكرة بسرعة ودون دراسة كافية لتطرح في مؤسسات القرار الدستورية كمشروع قانون أو اقتراح بقانون، وكثيراً ما يقع صناع القرار ومتخذوه في الدولة في أخطاء فادحة بسبب هذه الارتجالية، فالقرار في الكويت يمكن وصفه في كثير من الأحوال بأنه قرار ارتجالي، وهناك أيضاً نمط آخر يصاحب هذا القرار، وهو سرعة التراجع عنه، بمعنى آخر نستطيع القول أن اتخاذ القرار بالكويت يحكمه نمطان محددان هما: الارتجالية وردة الفعل من جانب، وسرعة التراجع عن القرار من جانب آخر، الأمر الذي يؤسس حالة من الارتباك والتخبط الذي من شأنها أن تضع للعمل النيابي أو الحكومي في البلد مساراً مزعزعاً وغير مستقر.

وفي المقابل، تؤدي هذه المؤسسات المختلفة دوراً كبيراً في اتخاذ القرارات، ومنها قرارات مصيرية أحياناً، مثل اختيار أعضاء الحكومة وبقية المناصب القيادية الأخرى في الدولة من خلال أدوات لا علاقة لها بالكفاءة والقدرة والخبرة بقدر علاقتها بالضغوط السياسية والمجاملات الاجتماعية، وبالتالي يكون لها دور مهم في تشكيل الإدارة التنفيذية في الدولة، مع ملاحظة أن 97% من قوة العمل في الكويت تشمل مواطنين يعملون لدى القطاع الحكومي حسب إحصاء وزارة التخطيط عام 2005، وبالتالي فإن تأثير كل ما سبق الحديث عنه يصبح غاية في الأهمية والوضوح.

سابعاً: نتيجة العلاقة بين النخبتين السياسية والاقتصادية

  1. لذا يمكن القول، بأنه على الرغم من وجود المؤسسات الدستورية، مثل مجلس الوزراء كمؤسسة قائمة وممتدة على مدى 45 عاماً، فهي ما زالت تتأثر بشكل شبه يومي بعناصر الضغط التي تحدثنا عنها أعلاه، وهنا نخلص إلى نتيجتين أساسيتين وهما:

الأولى هي أن التطور السياسي شهد مسارين متوازيين وليس مكملين أحدهما للآخر، مع ملاحظة أن أياً من المسارين لم يتغلب على الآخر، فهناك المسار المؤسسي المتمثل بالمؤسسات الدستورية بجميع صلاحياتها وطبيعة إجراءاتها ونمط القرار المتخذ فيها، في مقابل المسار المجتمعي الذي يحكمه الانتماء الطبقي أو القبلي أو المذهبي أو حتى الفئوي، والذي بدأ يتطور مع مرور الزمن بحيث أن هذه الانتماءات الضيقة بدأت تتأسس وتكرس نفسها لتصبح جزءً من الثقافة السياسية في البلد، ولتأخذ صفة المؤسسة في مقابل مؤسسات الدولة الأخرى.

فالقبيلة مثلاً، تحولت إلى صرح أو مجموعة صروح تتخذ جملة من القرارات المنفصلة، سواءً تعلقت بالمشاركة في الحكومة أو خوض الانتخابات النيابية، والعوائل أيضاً تحولت إلى صروح سياسية، وفي مقابل هذا نجد المسار السياسي الذي تحاول القوى والتجمعات السياسية في المجتمع قيادته، وتحاول فرض سيطرتها على التمثيل الشعبي لتشكل مجموعة ضغط تعمل داخل وخارج مراكز صنع واتخاذ القرار في البلد.

الثانية بالرغم من وجود عوامل نجاح مؤسسة الحكم في الكويت، وتاريخ سياسي عريق، ونضج سياسي كبير في مراحل مختلفة من حاضر الدولة وتاريخها، فإن ذلك لم يساعد على إذابة تلك المسارات السياسية والمجتمعية التي أسلفنا ذكرها، بحيث تنصهر جميعاً في بوتقة مفهوم المواطنة كأساس دستوري يعزز مبدأ التعايش بين أبناء المجتمع الواحد، بعيداً عن اختلافاتهم القبلية والمذهبية والعائلية وحتى الفئوية.

وبناء عليه، يصبح من الطبيعي أن تتكرس تلك التقسيمات المجتمعية لتؤثر سلباً في اتخاذ القرار، ولدينا مثال على هذا من خلال دراسة نتائج الفصول التشريعية الثلاثة: التاسع والعاشر والحادي عشر، فمجلس الأمة، الذي يمثل الجهاز الكفيل بالتشريع، نجد أنه لم يصدر في الفصل التشريعي العاشر سوى 57 قانوناً خلال دور الانعقاد الأول، و 59 قانوناً خلال دور الانعقاد الثالث، و 41 قانونا فقط خلال دور الانعقاد الرابع. وإذا أخذنا بعض القوانين التي لها طابع بروتوكولي، كالميزانيات والاتفاقات الدولية، نجد بأنها تشكل الغالبية العظمى.

  1. وإذا أخذنا القوانين التي تعتبر تعديلات على قوانين قائمة، وعددها 51 قانوناً، نجد أنها لا تزيد عن ثمانية قوانين فقط، فيتبين أنه خلال فصل تشريعي كامل (4 أعوام)، لم تتجاوز التشريعات التي أقرها المجلس بلجانه وأعضائه واجتماعاته الـ 30 قانوناً، مع ملاحظة أن معظمها يمثل تعديلات لقوانين قائمة، أما القوانين الرئيسية المتكاملة، فهي قليلة جداً، وهذا هو الحال في كثير من الفصول التشريعية السابقة.

لذلك نرى أن مجلس الأمة ضعيف من ناحية قوته التصويتية، بل نستطيع أن نقول إنه ضعيف في أدائه حتى من الناحية العملية، وما يفسر ذلك هو انشغال أعضاء مجلس الأمة ليس في عملية التشريع والرقابة، بل في التواصل اليومي مع الناس، وهذا ما يستنزف الكثير من الجهد والطاقة والوقت في عمل المجلس، ومع ملاحظة محدودية الصلاحيات الدستورية للمجلس، نوقن ضعف الأداء السياسي أيضاً، الذي لا يصل في معظم الأحيان إلى نتيجة مؤثرة، هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى تساهم في إضعاف الأداء المؤسسي ودوره في صناعة القرار، مثل حق الحكومة في التصويت في مجلس الأمة، وتشرذم القوى السياسة وعدم اتفاقها على الكثير من القضايا الأساسية.

هذا الضعف الذي يترتب عليه – بالضرورة ومع مرور الوقت – ظهور مؤشرات سلبية في المجتمع تعكس رتابة وتخلفاً كبيراً، وهو ما لا يتناسب مع مكانة الكويت وإمكانياتها، ويؤدي إلى زيادة غير طبيعية في مؤشرات الفساد الإداري، ويساهم في استشراء أمراض اجتماعية خطيرة كالمحسوبية والواسطة وتجاوز القانون، بمعنى آخر عندما يكون مجلس الأمة ضعيفاً، وصلاحياته محدودة، ويعيش أسيراً لقيود القبلية والطائفية والعائلية وغيرها من تقسيمات المجتمع، فإنه من الطبيعي أن يؤدي الأمر إلى نوع من الارتجالية في اتخاذ القرار، وخصوصاً في اختيار المناصب القيادية وغيرها، حيث تصبح عملية الاختيار – وبالتالي الإدارة – غير قائمة على أسس ومعايير سليمة، كالكفاءة المهنية والخبرة الإدارية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهذا يتلاشى مع مبدأ الحساب والعقاب، الذي من شأنه أن يفقد الدولة القدرة على تحسين أدائها العام في التنمية وتقديم الخدمات والارتقاء الوظيفي، بل يصل الأمر إلى ارتفاع مؤشرات الفساد لتبلغ أرقاماً قياسية بالنسبة إلى حجم الكويت وطبيعة سكانها.

  1. ومع دراسة علاقة التجاذب وتقاطع المصالح بين نخبتي التجار والحكومة، تم فرز جملة من المفارقات التي تتطلب الوقوف عندها ودراسة تأثيراتها الإيجابية والسلبية في العلاقة بين النخبتين كلاً على حدة، من جانب، وأفراد المجتمع الكويتي، وخاصة الطبقة المتوسطة التي تمثل نسبة الأغلبية المطلقة من السكان، من جانب آخر، ولأن فئة التجار هي الجهة الوحيدة التي تملك مقوم المشاركة الاقتصادية، جنباً إلى جنب مع المؤسسات الخدمية الكبرى في الدولة، ولأن النخبة الاقتصادية هي الأقدر بحكم امتلاكها لمحافظ مالية كبيرة إضافة إلى نفوذها الاجتماعي، فإنه من الطبيعي أن تستحوذ تلك الجهة على الكثير من القطاعات الاقتصادية التي تقرر الحكومة نقلها من القطاع العام إلى الخاص.

وهذا ما يخلق الكثير من التبعات السلبية على فئة التجار، من تعميق حالة التفاوت الطبقي في المجتمع من جانب، ووراثة فئة التجار سخط وامتعاض الناس من طبيعة الخدمات المقدمة، من جانب آخر، وخاصة أن الكثير من تلك القطاعات الاقتصادية الخدمية التي تهيمن عليها الدولة باتت تعاني من تفشي الأمراض الاجتماعية، كالروتين والفساد الإداري والمالي، وغيرها من المشاكل التي تعرقل أداءها في خدمة الناس بشكل عام، وهذا ما يجعل لتحولها إلى ملكية فئة التجار ثمناً غالياً، حين ترث تلك الفئة الجوانب السلبية المتعلقة بنظرة الناس لتلك الخدمات، ناهيك عن كون الخصخصة، وهي إحدى الأذرع الأهم في علاقة تقاطع المصالح بين فئتي التجار والحكومة، تعاني بدورها خللاً في نظمها وآلية التعاطي معها بصورة أدت إلى استفادة غير مشروعة للكثير من النخب الاقتصادية، وما تصدي مجلس الأمة في الأعوام الثلاثة الأخيرة لإعادة مراجعة العقود التي وقعتها الدولة مع شركات القطاع الخاص تحت اسم عقود الشراء والتشغيل والنقل (BOT)، إلا دليل على تفاقم ملف الفساد والمفسدين في طبقة التجار، والمواجهة غير المتكافئة بينها وبين الحكومات المتعاقبة منذ مطلع الألفية الثالثة.

ويمكن القول أن محاربة الفساد والمفسدين هي قضية الكويت الأولى لا تنازعها أية قضية أخرى مهما كانت؛ فالفساد الذي نخر في الجسم الكويتي إلى درجة تهلهلت معه كل مفاصله وباتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط في الهاوية، قد وضعه بعض نواب الأمة، وتحديداً أولئك الذين يعنون بالقضايا التي تحظى بالاهتمام الشعبي، الذين على رأس سلّم أولوياتهم، وحسناً فعلوا.

كانت المواجهة واضحة في ملف أملاك الدولة وما يدور حول عقود البناء والتشغيل والتحويل من شبهات، وتكفي مراجعة تقارير ديوان المحاسبة الأخيرة لمعرفة حجم الضرر الذي تلحقه تلك التجاوزات بالمال العام، ابتداءً من ترسية مناقصات على من لا يستحقون، مروراً بالتعاقد مع مستثمرين معينين دون غيرهم، مما ينهي شرط العدالة وتكافؤ الفرص للمستثمرين، وانتهاءً بحصول هؤلاء على امتيازات جوهرية من غير حق في مشاريعهم، فحققوا زيادة كبيرة بعوائدهم المالية، يقابل ذلك تقصير غير مبرر للمؤسسات الحكومية، كالبلدية والمالية والهيئة العامة للصناعة، يرافقه غياب إرادة مجلس الوزراء في مواجهة تلك التجاوزات، فأدى كل ذلك إلى استئساد المتجاوزين في وجه الدولة والقانون واستخدامهم كل ما يمكن استخدامه من نفوذ إعلامي وسياسي لتمكينهم من الاستمرار بالتجاوزات!

لذا، جاء تبني بعض نواب الإصلاح في مجلس الأمة مجموعة من الحلول، وذلك إدراكاً منهم لخطورة استمرار الوضع القائم، تلك الحلول التي جاء أبرزها في تعديل بعض أحكام مرسوم قانون أملاك الدولة، وتأسيس شركات تطوير، وتنفيذ المستودعات العامة والمنافذ الحدودية، وتقديم بيانات كاملة عن العقود، التي تبرمها الدولة وتزيد قيمتها على 100 ألف دينار، وهذا معناه في حال تم تطبيقها تقليماً حقيقياً لأضافر القوة والقدرة في فئة التجار، وتحجيم نفوذها الاقتصادي في البلاد لمصلحة فئتين: الأولى هي النخبة السياسية التي تسعى إلى السيطرة على كل مفاصل القرار في مؤسسات الدولة دون منافس أو منازع لها في ذلك، والثانية القوى الشعبية الأخرى التي ضجرت من طبيعة تعاطي فئة التجار مع مصالح الكويت الاقتصادية، وفقدت الثقة في سلوك الكثير من أصحاب النفوذ الاقتصادي بعد أن وصلت إلى قناعة كاملة بأن الكثيرين منهم لا يمكن ائتمانهم على مستقبل الاستثمار التنموي في البلد، تلك الحقائق يؤكدها الكثير من التصريحات التي أدلى بها عدد من نواب مجلس الأمة وبعض سلوكياتهم السلبية تجاه بعض أعضاء الحكومة، التي وصل بعضها إلى الاستجواب وطرح الثقة، وهو ما زاد التشنج في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكان السبب الأساسي وراء حل البرلمان في عامي 2006 و 2008.

——————————————————————————————————-

المراجــــع

أسيري، عبدالرضا علي. النظام السياسي في الكويت.. مبادئ وممارسات. الكويت: مطابع الكويت 2004.

الجمل، يحيى. النظام الدستوري في الكويت. الكويت: جامعة الكويت، 1971.

خليفة، سامي ناصر. الأحزاب السياسية الإسلامية في الكويت. الكويت: دار النبأ، 1999.

خليل، عثمان. دستور الكويت. الكويت: جامعة الكويت، 1971.

الديين، أحمد. “مجموعة مقالات عن الإصلاح السياسي في الكويت”. جريدة الراي (الكويت): 2003.

الزميع، علي. “حول الإصلاح السياسي في دول الخليج العربية”. ورقة قدمت إلى: ندوة الإصلاح السياسي في العالم العربي من منظور مقارن، الكويت، 4 كانون الأول/ديسمبر 2005.

زهران، جمال علي. “عملية صنع القرار في السياسة الخارجية المصرية في نصف قرن ]السمات والتحديات[“.السياسة الدولية: السنة 38، العدد 149، تموز/يوليو 2002.

الشاهين، ياسين ولمى العثمان (معدان). قضايا الخصخصة في المجتمع الكويتي: المفهوم-التحديات-المتطلبات: تصورات أولية. بإشراف سالم عبدالعزيز محمود. الكويت: جامعة الكويت، مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، 2004.

العلوي، السيد. أضرار الحكم القبلي في دول الخليج العربية. المنامة: جمعية الإرشاد، 2003.

قرني، بهجت. “ما هي شروط صنع القرار الناجح: قراءة لحرب أكتوبر في عيدها الثلاثين”. مجلة السياسة الدولية: السنة 39، العدد 154، تشرين/أكتوبر 2003.

قنديل، أماني. تطوير مؤسسات المجتمع المدني. القاهرة: الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، 2004.

“القوانين الصادرة في أدوار الانعقاد العادية من الفصل التشريعي العاشر”. الجريدة الرسمية (الأمانة العامة في مجلس الأمة، إدارة اللجان): 2005.

مركز الخليج للأبحاث. الخليج في عام 2003: التقرير السنوي الأول. دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004.

المكراد، فهد. التطور السياسي والاقتصادي لدولة الكويت. الكويت: الجامعة العربية المفتوحة، 2006.

النقيب، خلدون حسن. المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية (مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، محور المجتمع والدولة)، 1989.

Al Najar, Ghanim. “The Challenges Facing Kuwait Democracy”. Middle East Journal: vol. 54, no. 2, 2002.

_______. “Political Transformation in a Traditional Society: The Kuwait Parliamentary Elections of 1999”. Kuwait University, 1999.

Gielen, Uwe P. “Arab Psychology and the Emerging Global Psychology Movement: A Modest Proposal”. N.Y.: December 2006.

Hawthorne, Amy, in: Arab Reform Bulletin: no. 10, November 2004.

Herb, Michael. From Georgia State University, October 2005.