تم النشر في: مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، دولة الكويت، عدد خاص حول المؤتمر العالمي عن آثار العدوان العراقي على دولة الكويت (2-6 أبريل 1994): الآثار السياسة والاقتصادية، المجلد الأول (ص. 29-66)

الباحث: د. حسن عبدالله جوهر – قسم العلوم السياسية – جامعة الكويت

المقدمة

تهدف هذه الدراسة إلى استقراء بعض جوانب السياسة الخارجية لدولة الكويت في المستقبل المنظور على ضوء الترتيبات الأمنية متعددة الاتجاهات والمحاور والتي أبرمتها الحكومة الكويتية في أعقاب تحرير البلاد من الاحتلال العراقي في فبراير عام 1991، فبعد حرب التحرير التي ساهمت فيها بشكل رئيسي وفعال دول التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بادرت دولة الكويت إلى إبرام سلسلة من الاتفاقيات والترتيبات الأمنية من أجل ضمان أمنها الخارجي، وبالتحديد المحافظة على وجودها واستقلالها الوطني، وحرصت الكويت من خلال هذه الترتيبات الدفاعية على تعزيز ارتباطها العضوي بثلاثة محاور رئيسية هي: منظومة مجلس التعاون الخليجي، واتفاقية إعلان دمشق، والاتفاقيات الدفاعية الثنائية مع كل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا، كما تسعى الكويت إلى توقيع اتفاقية مشابهة مع الصين حتى تكمل دائرة الاتصال بالدول العظمى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

ومن الطبيعي أن يقود هذا التنوع في العلاقات الثنائية ذات الطبيعة الأمنية الحساسة بين الكويت وشركائها في هذه الترتيبات إلى خلق اتجاهات خارجية ضاغطة على السياسة الخارجية لهذه الدولة الصغيرة، والتي تميزت بالحياد الإيجابي والاستقلالية في معظم مراحل وجودها السياسي بعد الاستقلال عام 1961، وتنبع مصادر التأثير الخارجي على الكويت، بسبب هذه الترتيبات الأمنية، من حقيقتين أساسيتين، تتجسد الحقيقة الأولى في الثمن السياسي الذي يجب أن تسدده دولة الكويت لقاء الدفاع عن أمنها وبقاء وجودها كما تملي قواعد اللعبة السياسية في المعترك الدولي.

أما الحقيقة الثانية فتتمثّل في تصنيف دولة الكويت من الدول الصغيرة في المجتمع الدولي، الأمر الذي يجعل من خياراتها في السياسة الخارجية بدائل محدودة لا تتجاوز حماية أمنها الخارجي، وهذا يعني بأن الكويت أكثر عرضة للتأثر وليس التأثير في علاقاتها الدولية ولا شكّ أن الظروف الاقتصادية والأمنية التي تمر بها منذ أزمة العدوان العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990 تعوق وبشكل واضح الاستمرار في الدور الإقليمي والدولي النشط الذي تميزت به خلال العقود الثلاثة من عهد الاستقلال.

انطلاقاً من الركائز السابقة سوف تركّز هذه الدراسة على نوعين من الحوارات الممكنة وذات التأثير الحقيقي والمتضارب على السياسة الخارجية لدولة الكويت بسبب ارتباطها الوثيق بالدوائر الثلاثة موضع البحث، ويتناول الحوار الأول احتمالات تعارض مصالح الدول الحليفة، خصوصاً الدول الكبرى، مع الأولويات والمبادئ المفضلة في السياسة الخارجية الكويتية، أما الحوار الثاني فيشمل تضارب المصالح القومية بين الدول الحليفة للكويت ذاتها والاحتمالات المتبادلة لاستقطاب الكويت كطرف في هذه الخلافات الثنائية.

وإضافة إلى ذلك، سوف تناقش الدراسة انعكاسات مثل هذه الحوارات الممكنة على الموقف السياسي الداخلي في الكويت تجاه السياسة الخارجية للحكومة والمتمثّل في مجلس الأمة المنتخب وأثر ذلك على الاستقرار السياسي في الداخل، وتختتم الدراسة بطرح بعض التوصيات المتعلقة بالسياسة الخارجية لدولة الكويت وكيفية تجنّب الوقوع تحت طائلة الضغوطات الخارجية المحتملة أو تحييدها، على الأقل، إلى أقصى حد ممكن.

مفهوم السياسة الخارجية

السياسة الخارجية هي عملية تنظيم لنشاط دولة ما فيها يتعلق بتحديد علاقاتها مع غيرها من الدول خارج حدودها السياسية من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف والمصالح الذاتية، وتكاد تجمع أدبيات السياسة الدولية على اعتبار القوة القومية بمثابة الدافع المحرك لتوجيه سلوك الدولة ـ التي تمتلك مقومات هذه القوة – الخارجية.

فقد حدّد أحد أقطاب علم السياسة الدولية الحديثة، هانس مورغانثو(Hans Morganthau، 1978، ص 10-15) السياسة الخارجية لأية دولة في إطار العلاقة الارتباطية بين مفهومي المصلحة القومية والقوة، فمصلحة الدول في رأي مورغانثو تتحدّد في إطار القوة التي تمتلكها؛ كما تحدّد القوة بدورها في نطاق القدرة على التأثير والسيطرة على الإرادة السياسية عند الآخرين، وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار القوة بمثابة قدرة الدولة المالكة لها على إحداث تغييرات في سلوك الآخرين بشكل يوائم مصالحها الفردية، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن ينسجم حجم مصالح الدولة وأهدافها الخارجية وكذلك وسائل تحقيقها على أرض الواقع مع قوتها وإمكانياتها من مصادر القوة والنفوذ.

ووضع والتر ليبمان Walter Lippmann معادلة تتركب منها السياسة الخارجية هي العمل على إيجاد توازن بين الإلتزام الخارجي لدولة ما، والقوة التي تلزم تنفيذ هذا الالتزام (غالي وعيسى، 1979، ص 309)، والالتزام الخارجي بحسب تفسير ليبمان هو كل تعاهد ترتبط بموجبه الدولة خارج حدودها، وقد يستلزم تنفيذه استعمال قدر معيّن أو شكل محدّد من القوة، وبالنتيجة، فمن الطبيعي أيضاً أن تكون القوة اللازمة لتنفيذ الارتباط الخارجي أكبر مما يتطلّبه هذا الارتباط لحمل الآخرين على قبول والانصياع لإدارة الدولة أو رفض ذلك وبالتالي تحمّل نتائج مثل هذا الموقف الرافض.

وبمعنى آخر، فأن محور السياسة الخارجية يكمن في تقرير أفضل السبل التي يمكن أن تدفع الأهداف الخاصة لكل دولة ـ مثل حفظ الذات، وإحراز الأمن القومي، وتعزيز الثروة الاقتصادية، واكتساب قدر معين من الهيبة الدولية ـ إلى الأمام، وتفرض هذه المسؤولية على صنّاع السياسة الخارجية أن يختاروا من بين عدة بدائل وخيارات، وعلى ضوء المتاح لهم من الموارد والإمكانيات، القرار الرشيد والمناسب لمواجهة إزاء أي وضع أو موقف يواجهونه.

فالقرار الرشيد كما عبّر عنه هارولد لازويل Harold Lasswell (مقلد، 1984، ص 374) هو محصلة التقييم المتوازن على قدر معيّن من الإمكان لكل القيم المسيطرة والحقائق المتاحة والتوقعات المتعلقة بظروف المستقبل، وتعتمد معايير القرار الرشيد تبعاً لهذا الرأي على مدى وضوح فكرة الهدف، ودرجة الدقة في قياس الاحتمالات المترتبة على الأخذ بقرار معيّن من بين عدة خيارات بديلة، وأخيراً مدى القدرة على تطويع السبل المعرفة المتاحة في خدمة الهدف النهائي الذي ينشده القرار.

ولكن جزءً كبيراً من الأحداث والتطورات السياسية على مسرح عالمي مليء بالمصالح المتضاربة لدول كثيرة من جهة، ومتفاوتة القوة والنفوذ من جهة ثانية قد يعكس وقائع ومجرياتٍ تخرج عن دائرة سيطرة صنع القرار، فتتألف السياسة الخارجية عندئذٍ من عدد غير محدود تقريباً من الافتراضات التي تعكس الشكوك الواقعة ضمن البيئة الدولية وتزيد من صعوبة اتخاذ القرار المناسب بشأنها، ولعل من أخطر المآخذ على عملية صنع السياسة الخارجية حينئذٍ رفض تقبّل حقيقة الظروف الدولية المتغيرة أو عدم القدرة على التعامل مع الأوضاع الجديدة عند التنبه لها (كانتور، 1989، ص 409).

فالسياسة الخارجية في إطارها الطويل الأمد هي الغالب تصويرٌ للأوضاع الدولية من خلال عبارات فضفاضة جداً، أما في الإطار القصير الأمد نجدها تهتم بمشكلات وشيكة جداً بحيث تتخذ صورة معالجة أزمة ما، وعادة ما يكون هناك تضارب بين الأهداف طويلة المدى والحاجات قصيرة الأجل، فالتناقص، بين الالتزام بالمثاليات واللجوء إلى الواقعية سمة واضحة من سمات السياسة الخارجية لكثير من الدول، فالولايات المتحدة، كانت ولا تزال تقر المبدأ الديمقراطي وحق تقرير المصير للشعوب، ولكنها في نفس الوقت مارست خلال فترات تاريخية مختلفة سياسة دعم الأنظمة الديكتاتورية مثل كوريا الجنوبية والفيليبين والسلفادور وإيران، وفي كثير من الأحيان تلجأ الدول، في سرّائها وضرّائها، إلى معالجة المشكلات العاجلة بصورة مناسبة بدلاً من أن تعمل على تفاقمها بشكل يلحق الضرر بقدسية اعتبارات المدى البعيد (كانتور، 1989، ص 410-411).

وبتوضيح أدق، يمكن القول بأن عملية صنع السياسة الخارجية تمكن في البرامج الخاصة لدى صنّاع القرار والسلطة السياسية في ترتيب مصالح الدولة تبعاً لأولويات يفترض أنها قابلة للتنفيذ وفق منظور الأحداث اليومية المتكررة والمستمرة، والتي تتجاذب أطرافها قوى دولية متنافسة كثيرة ومتفاوتة في القدرات والإمكانيات.

ففي هذا الخضم المتلاطم تسعى كل دولة إلى وضع إستراتيجية تضمنها أهداف وتحاول من خلالها أن تحمي مصالحها وأمنها في إطار ما يتوفر لها من موارد القوة وأدوات تفعيلها وترجمتها على أرض الواقع، وفي ظل معطيات هذا التفاعل الحضاري العالمي المتواصل فان مجالات السياسة الخارجية ومستوياتها المعاصرة تتطلّب ردود فعل فورية إزاء الأحداث التي يتسبّب في وقوعها الآخرين مصحوبة بالقدرة على التنبؤ بممارستها المستقبلية تمهيداً للاستعداد لها فيجب مثلاً أن يهتم صانع القرار بالإجابة على وتحديد إلى أي مدى يتضمّن الموقف أمامهم المصالح المعنية لدولتهم؟ وهل هذه المصالح حيوية أم ثانوية؟ وهل يتوقع للتطورات المتعلقة بهذا الموقف أن تمس هذه المصالح على نحو جوهري أم هامشي؟ (كانتور، 1989، ص 411).

أما طريقة مواجهة هذه الأحداث، وبالتالي اتخاذ قرارات بشأنها، فتقتضي بدورها الاختيار بين بدائل، ولا شك هنا بأن مصادر القوة: حجم الدولة، وقوتها العسكرية، ثروتها الاقتصادية، تركيبها الطوبغرافي هي التي تحدّد عدد هذه البدائل وتسمح بالمقارنة والمفاضلة بينها.

ولكن وبغض النظر عن اعتبارات القوة ومقاومتها المختلفة إلاّ أن هناك مجموعة من الأهداف الحيوية تشترك معظم الدول في ضرورة تحقيقها والمحافظة عليها باستمرار ولو على حساب بعض أولوياتها الأخرى، وفي طليعة هذه الأهداف حفظ وجود الدولة وسيادتها، وحماية أمنها القومي، والدفاع عن مصادر ثرواتها الوطنية، بل قد تجد بعض الدول لزاماً عليها أن تقدم بعض التنازلات والتضحية بجزء من هذه الأهداف أملاً في المحافظة على الأجزاء الأخرى منها، فمثلاً، قد تتخلى دولة صغيرة عن قدر معين من مظاهر سيادتها أو ثروتها الوطنية لدولة قوية قادرة على توفير الأمن والحماية لها ضد دولة ثالثة تهدّد وجودها مثل هذه الدول الصغيرة في النظام العالمي يضيف إلى هذا المعترك وطبيعة تفاعلاته وإفرازاته بعداً حيوياً ومهماً يستحق قدراً مهماً من الاهتمام والبحث العلمي.

مفهوم الدول الصغيرة

إذا أخذنا بعين الاعتبار موضع الدول الصغيرة في النظام الدولي، تبعاً للوصف الآنف، نجد أن هذه الكيانات السياسية تقف عند حدود ضيّقة جداً من هامش المزايا وتوفر عدد البدائل المتاحة لها لخوض عباب المنافسة والصراع الدوليين، بل أن هذه الدول قد تجد نفسها محاطة دوماً بالمخاطر التي تهدّد وجودها الفعلي في هذا المعترك.

تصف أدبيات السياسة الدولية الدول الصغيرة بأنها هي تلك التي يدرك قادتها أنها لن تستطيع أن تكون أبداً ذات تأثير في النظام الدولي إذا علمت وحيدة أو ضمن مجموعة صغيرة كما يقول روبرت كوهين R. Keohane (الإبراهيم، 1982، ص 69)، وتصنّف هذه الدول عادةً تبعاً لمحدودية محيطها الجغرافي وضآلة كثافتها السكانية وضعف قدرتها الدفاعية، ولذلك فقد استخدم روبرت روشستاين Rothstein R، المعيار النفسي في تعريف الدول الصغيرة، فاعتبرها تلك القوى التي تعترف بأنها لا تستطيع الحصول على الأمن باستخدام قدراتها الذاتية بالدرجة الأولى، وبأن عليها الاعتماد على معونة دول أخرى أو مؤسسات أخرى أو عمليات أو تطورات أخرى من أجل ذلك، (الإبراهيم، 1982، ص 69).

فالهاجس الأول وربما الوحيد لهذه الدول يتمثّل في حرصها على البحث عن أمنها وبقائها في محيط دائرة الكبار، إلاّ أن ريتشارد وأوسكار هامريستاين Richard & Oscar Hammerstein يجيبان بأن مهمة البحث عن الأمن الخارجي لهذه الدولة ليست بالأمر الهيّن، “هل أدخل في تحالف مع أمم أخرى؟ إذا كان الحلفاء ضعفاء أليس من الأفضل أن أكون وحيداً؟ وإذا كانوا أقوياء ذوي السلطة كافية لحمايتي أفلن يأخذوا مني كل ما أملك؟” (غالي وعيسى، 1979، ص 309).

فمكمن الخطر في لعبة هؤلاء الصغار مع الشركاء الكبار هو في أن تعمل قوة كبرى أو أية دولة ذات قوة عسكرية غير متناسبة على تجريد الدولة الصغيرة ـ كلياً أو جزئياً ـ من وجودها المادي أو هويتها الوطنية وإستقلالها، فالتدخل الأجنبي في شؤون الدول الصغيرة، وكما يعبّر م. سنغر M. Singer، أمر لابدّ منه بل أنه يشكّل جزءً مهماً من صلب العلاقات الدولية (غالي وعيسى، 1979، ص 310).

فالدول الصغيرة أكثر عرضة بطبيعتها للضغوط وأكثر محدودية فيما يتعلق بالخيارات السياسية المطروحة عليها، وبالتالي أكثر نيلاً للاستسلام لإرادة الدول الكبرى يقول فيتال Vital بأن الدول الصغيرة قد أجبرت عبر التاريخ على السعي من أجل حماية تؤمنها لها دول أكثر قوة، وهذه قد تجد نفسها بدورها تقوم بدور الحامي، وبالتالي فإنها تقوم بتجريد الدول المحمية من حقها الأساسي في تقرير المصير والاستقلال (الإبراهيم، 1982، ص 98)، أما سياسة الحياد ـ بالنسبة لهذه الدول الصغيرة ـ تبعاً لهذه المعادلة الصعبة فيمكن القول أنها تدوم فقط طالما بقي الجيران الأقوياء على احترامها.

كما أن السياسة الخارجية للدول الصغيرة لا تتعدى في أغلب الأوقات كونها رد فعل للأحداث الخارجية داخل المنتظم الدولي، إذ ليس لهذه الدول تخطيط طويل المدى أو التخطيط الطارئ لمواجه الأزمات، وبقدر الإمكان تسعى هذه الدول كما يقول روبرت غود Robert Good إلى تخفيف النفوذ الأجنبي في الوطن (الإبراهيم، 1982، ص 98).

الكويت دولة صغيرة

وإذا كانت طبيعة العلاقات الدولية في شكلها العام تفرض حالة واضحة من استقطاب الدول الكبيرة للدول الصغيرة، فأن الوضع بالنسبة لدول مثل الكويت يعتبر أكثر تعقيداً وصعوبة، كما يحتمل أن تكون الضغوط عليها أكثر تأثيراً، فالكويت ليست فقط دولة صغيرة وفي الوقت نفسه غنية بما تتطلّبه آليات القوة الصناعية للدول الكبرى، ولكنها تستقر على موقع إستراتيجي محاط بتطلعات وأطماع من قبل دول أكبر منها تشاطرها محيط وجودها الجغرافي، بل والأخطر من ذلك، فقد تعرّضت هذه الدولة إلى تجربة حقيقية من الغزو والاحتلال الكامل الذي طمس معالم وجودها من الأساس لفترة من الزمن، ولابدّ أن تكون تلك التجربة القاسية كفيلة بأن تعي الكويت وبتفاصيل حية المعنى الحقيقي للأمن ومن ثمَّ البحث عن الحماية ووسائل حفظ الذات.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فأن ما يغذي هذه الروح المضطربة ويوجهها نحو الاستماتة في البحث عن مظلة أمنية لا تتوفّر سوى من الخارج، خضوع هذه الدولة لتجربة لم تكن مُرة وحرجة جداً وحسب، ولكن طبيعة التجربة ذاتها ـ وفصولها المتعاقبة بدءً بالاجتياح والاحتلال وأخيراً التحرير ـ قد خضعت لسيناريوهات سريعة وتطورات متلاحقة ذهلت معها عقلية صنّاع القرار في مواكبتها، بل لم تستطع عقل المواطن العادي هضمها وتفسيرها حتى الآن، فطوال فترة الاحتلال العراقي لدولة الكويت لم تملك الحكومة ولا شعب المحاصر في الداخل سوى انتظار ما تؤول إليه نتائج الحشد السياسي العسكري لدول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد المعتدي العراقي.

وهذه الخصوصية قد أحدثت بلا شك هزة قوية وتركت بصماتها كعقدة نفسية تحملها الذهنية الكويتية لسنوات قادمة على أقل التقديرات، فالخوف من تكرار التجربة خصوصاً بعدما نجح صدام بالنفاذ بجلده وبدأ بإعادة تصريحاته العدوانية وسلوكياته الاستفزازية على الحدود ضد الكويت، وسعيه من أجل ترسيخ مزاعم عراقية الكويت في عقول البراعم الشابة من طلبة المدارس سوف يحتل مساحة كبيرة في نفوس الكويتيين الذين قد لا يستبعدون تكرار التجربة المرعبة من نفس المصدر مرة أخرى.

وبسبب حجم الكارثة وصعوباتها، بل واحتمال تجدّدها، فقد كانت ردة الفعل في السياسة الخارجية الكويتية تجاه أحداث الثاني من أغسطس 1990 بدورها سريعة وانفعالية إلى درجة العفوية أحياناً، ومن أهم تطبيقات هذه السياسة الخارجية الجديدة جاءت مبادرة الحكومة الكويتية إلى عقد سلسلة من الاتفاقيات الأمنية مع مجموعة من الدول الكبرى إضافة إلى دخولها في اتفاقية إعلان دمشق، في حين احتفظت بعضويتها في منظومة مجلس التعاون التي بدأت بالإعلان عن تطوير قدراتها الدفاعية والأمنية، ويمكن تشبيه هذه الإجراءات التي تبنتها الحكومة في الكويت بمن يحاول جمع وتكديس أكبر قدر ممكن من السلع الاستهلاكية بعد خروجه من مجاعة ويتخوّف من تكرار تلك الأزمة، ويمكن تحديد المعالم الرئيسية للسياسة الخارجية الكويتية على ضوء طبيعة الإجراءات التي اتخذتها الدولة للتعامل مع محيطها الخارجي والناتجة عن تركة الأزمة التي دامت سبعة شهور بالنقاط التالية:

  1. هلامية المواقف التي تفتقر إلى خاصية التحديد وتتميز بالغموض وعدم الاستقرار

فمن غير الواضح إلى أين تتجه السياسة الخارجية الكويتية وما هو منظورها الإستراتيجي، ومما يغذي استمرارية هذا البعد تفاعلات النظام الدولي الجديد وكذلك الظروف الدولية المحيطة بالغزو، فقد تزامن الاحتلال العراقي للكويت ثم تحريرها بواسطة التحالف الدولي مع إرهاصات التحول في ملامح النظام العالمي واغتنام دوله فرصة إعادة ترتيب نفسها وتقسيم مقدرات القوة والنفوذ فيه من جديد.

كما كشفت هذه المرحلة عن إمكانية تغيير مواقع الجذب والشد لكثير من الدول من خلال إتباع سياسة التحالفات المؤقتة بسرعة، وبينّت كيف يمكن للأعداء قد يتحولون إلى حلفاء وأن يستعدي الأصدقاء بسبب تغير مفاهيم المصلحة القومية وأدوات تحقيقها.

  1. انفعالية المواقف

ومما خلق هذا الجو العام في محيط منطقة الخليج وخصوصاً الكويت استمرار وجود السحب المكثّفة من التهديد والتّوتر والاستفزاز (Brady، 1978، ص 189)، ومن المصادر المهمة التي غذّت هذه الأجواء الملبدة ببقاء النظام العراقي المعتدي على رأس السلطة في دولة الجوار، وفشل الحلول العربية في حل الأزمة أو حتى تطويقها الأمر الذي أفقد مصداقية فعالية وجود نظام أمني عربي، وأخيراً نكران بعض الدول العربية كالأردن، واليمن، والسودان، وتونس، ومنظمة التحرير الفلسطينية لصنائع الكويت الجميلة تجاهها طوال الثلاثين سنة الماضية من عهد الاستقلال.

  1. المواقف الضاغطة باتجاه نمط سلوكي معيّن

وقد شكّلت هذه المواقف قوة دفع جديدة نحو تبدّل مفهوم الأمن وأدوات تحقيقه بمساعدة خارجية، وخصوصاً من قبل الدول العظمى التي بدأت تتدفّق سياسياً وعسكرياً في المنطقة الخليجية بترحيب وطلب وحتى بتمويل من قبل الحكومات المعينة في هذا الإقليم هذه المرة.

  1. مواقف تتّسم بالحساسية والحرج

ونتبع خطورة هذه المواقف من كثرة الترتيبات الأمنية التي أبرمتها الكويت وبعض دول الخليج الأخرى سيما مع أطراف عالمية متنافسة ومتضاربة المصالح والرؤى السياسية من جهة، والتناقض الكبير بين بعض هذه الأطراف الأجنبية وبعض الأنظمة السياسية في منطقة الخليج مثل العراق وإيران من جهة أخرى، ومما يزيد من حراجة الموقف احتمال استغلال دول الخليج الصغيرة، والكويت تحديداً، كأرضية سياسية وعسكرية في حالة نشوب مواجهة بين أحد أطراف الترتيبات الأمنية الأجنبية وإحدى دول المنطقة لأسباب لا تتعلّق بأمن منطقة الخليج مباشرة، ولعل حالة المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران هي من أبرز الحوارات المرشحة في ما تبقى من سنوات العقد الحالي.

  1. مواقف يغلب عليها تأثير العوامل الموضوعية التي يصعب التحّكم فيها

وهذه نتيجة شبه حتمية تفرضها طبيعة العلاقات غير المتجانسة بين دولة صغيرة مثل الكويت، المحدودة في خياراتها السياسية وتتطلّع لتحقيق هدف أحادي وهو أمنها ووجودها، وبين مجموعة كبيرة من القوى الإقليمية والعالمية الكبرى ذات مصالح إستراتيجية وطموحات سياسية بعيدة الأمد قد لا يتحقق أي منها سوى بفرض نوع من الهيمنة والتحكّم بشؤون الدول الصغيرة (أسيري، 1993).

سياسة الكويت الخارجية

ويبقى السؤال المهم والأساسي حول مسارات السياسة الخارجية للكويت في ظل هذه الظروف، وإلى أي حد يمكن لهذه الدولة أن تحقّق غايتها الحيوية في البقاء والاستقرار في وقت تستطيع فيه المحافظة على استقلالية القرار السياسي.

يتجسّد الهدف الرئيسي وربما الأوحد للكويت في بقاء الدولة وأمنها القومي ووحدة أراضيها واستمرار حكومتها الشرعية الدستورية، ولقد اعتمدت الكويت منذ بدايات نشأتها (1756) سياسة التوازن في علاقاتها الخارجية معتمدة على الدبلوماسية الهادئة في الاتصال مع القوى الإقليمية المحيطة بها كالدولة الصفوية والدولة العثمانية من جانب، وعلى سياسة الحياد الإيجابي والحوار مع القوى العالمية المتنافسة على منطقة الخليج، مثل ألمانيا وروسيا وبريطانيا من الجانب الآخر(أبو حاكمة، الفصول من 1-6)، وفي الوقت نفسه اتبّع الكويتيون إستراتيجية التحالفات المؤقتة مع القبائل العربية وسط وأطراف الجزيرة العربية لصد أي تهديد خارجي على أراضيهم من قبل القبائل المنافسة الأخرى، واستمرت هذه الدبلوماسية رغم بدائيتها وبساطتها بنجاح لفترة تاريخية طويلة امتدت من سنة 1756 إلى سنة 1896.

إلاّ أن معاهدة الحماية التي وقعها الحاكم السابع الشيخ مبارك الصباح مع بريطانيا عام 1899 قد غيّرت مسار الدبلوماسية الكويتية وأضعفت استقلالية قرارها الخارجي إلى أبعد الحدود، فاتفاقية 1899 لم تحدث فقط إرباكاً وخللاً في سياسة التوازن التي اتبعتها الكويت بل وضعت مصير هذا البلد تحت رحمة الإدارة البريطانية، فقد اشترطت تلك الاتفاقية موافقة بريطانيا على اختيار الحاكم الكويتي نفسه (الصالح، 1989، ص 58-60).

ومن النتائج التي ترتبت على معاهدة الحماية البريطانية أيضاً تورّط الكويت في التزامات عسكرية خارج حدودها السياسية، ففي أوائل القرن العشرين طلبت بريطانيا تمويل عسكري كويتي لدعم تمرد الشيخ خزعل الكعبي في المحمرة على الحكومة العثمانية، وهذا ما قوبل بالرفض الشعبي وإعلان الكويتيين عصياناً مدنياً ضد الحاكم واعتصامهم في المساجد (الشيخ خزعل، 1962، ص 87)، كما أطلقت المعاهدة يد الحكومة البريطانية حتى في تقرير مصير الكويت بدون استشارة الحاكم والرجوع إليه كما في إبرامها لمعاهدة لوزان مع تركيا لترسيم الحدود الكويتية عام 1913، ولاحقاً في ترسيم الحدود الكويتية ـ العراقية ـ السعودية بموجب اتفاقية العقير عام 1922 (أبو حاكمة، 1984، ص 329-332)، وأخيراً، قيّدت الاتفاقية البريطانية سيادة الكويت على ثرواتها الطبيعية وتمثّل ذلك في تحكّم بريطانيا بتجارة السلاح والغوص والتجارة البحرية وحق إعطاء الامتيازات النفطية للشركات الغربية بعد اكتشاف البترول في منطقة الخليج.

ولم تعد الكويت إلى سابق عهدها في تبنّي سياسة الحياد إلاّ بعد إلغاء معاهدة الحماية البريطانية ونيلها الاستقلال عام 1961، ولقد ساهمت الثروة النفطية الوطنية الهائلة وحالة الحرب الباردة التي فرضتها هيكلية القطبية الثنائية على تعزيز سياسة التوازن الخارجي للكويت حتى انهيار المنظومة الشيوعية في بداية التسعينات، فمن جهة، حرصت الدول العظمى على بقاء الكويت كمنطقة محايدة Buffer Zone وسط مثلث القوى الخليجية وأضلاعه المتنافسة: إيران، والعراق، والسعودية، ومن جهة أخرى، التزمت الكويت سياسة كسب الأصدقاء من خلال دبلوماسية المساعدات الخارجية لدول العالم الثالث وإقامة العلاقات الطبيعية مع جميع الدول العظمى وخصوصاً الإتحاد السوفيتي والصين.

ولم تتحوّل السياسة الخارجية الكويتية عن مسارها الحيادي إلاّ بعد اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية في مطلع الثمانينيات، ولم تترك الظروف والتطورات المتلاحقة منذ ذلك الوقت فرصة لاستعادة الكويت أنفاسها والتفكير بوضع برنامج وخطة متكاملة لسياستها الخارجية حتى باغتها الغزو العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990 وما آلت إليه الأمور منذ ذلك الحين.

وإذا أردنا أن نصف ملامح السياسة الخارجية للكويت منذ منعطف الثاني من أغسطس وحتى الآن، يمكن القول بأنها انحسرت بشكل كبير في حدود ثلاثة نقاط رئيسية هي:

  1. سياسة خارجية أحادية الهدف

فقد ألغت الكويت كل برامجها وأولوياتها لصالح هدف التحرير وتجنيد كل ما أمكن من أنواع الدعم السياسي والعسكري والإعلامي لتحقيق هذا الهدف، كما يمكن اعتبار كل ما قامت به الحكومة على الصعيدين الداخلي (كالعمل بتطبيق الحياة الديمقراطية، وخطط إعادة البناء، والتصدي للمشاكل الاقتصادية) أو الخارجي (مثل استئناف برنامج المساعدات وإبرام الاتفاقيات الأمنية) بمثابة الدر المتمّم لاستكمال التحرير والمحافظة عليه.

  1. سياسة خارجية مدفوعة نحو البحث القسري عن الحماية

ومما يؤكد هذا الاتجاه في السياسة الكويتية حرص الحكومة وكذلك القوى السياسية الشعبية على استثمار كل الأدوات الممكنة لمناصرتها في استرجاع الأرض المحتلة وتحريرها خلال فترة الاحتلال، وتأمين صون أمنها الخارجي فيما بعد حتى على حساب بعض الثوابت التي اهتمت الكويت بالاستناد عليها قبل وقوع كارثة الأزمة، بل وقبولها للتنازل عن بعض صور الاستقلالية في الرأي والموقف كما سنبيّن لاحقاً، ومن المؤكد أن طبيعة الغزو وهول المفاجأة فيه واستحالة التخلّص من هذا المأزق بجهود فردية هي لبتي ولّدت هذا الاتجاه القسري في السياسة الخارجية كضرورة ملحة لابدّ منها.

  1. سياسة خارجية مكرهة

وساهم عامل الضرورة الملحة السابق ذكره في خلق حالة شبه عشوائية عند صنّاع القرار الخارجي في الكويت ودفعتهم إلى ترتيب أوراق السياسة الخارجية بشكل متسرّع والقفز فوق جميع الدوائر الإقليمية والخليجية إلى الدائرة العالمية مباشرة ـ والولايات المتحدة تحديداً ـ كمظلة وحيدة لتحقيق الأمن وحمايته من الأخطار المحيطة به إقليمياً.

وقد أدى هذا الاندفاع المفاجئ والسريع في رسم السياسة الخارجية ولو بشكل مؤقت إلى تقديم صور من التعهدّات وحتى التنازلات لم تدرك الكويت أهميتها وهي تحت تأثير مخدر الاحتلال فتحوّلت إلى التزامات محرجة فيما بعد مقارنةً مع مقاييس السياسية الخارجية التقليدية بإبعادها الوطنية والقومية السابقة، ولعل أهم وأخطر المستجدات في السياسة الخارجية الكويتية الجديدة تحول قطبها الرئيسي باتجاه تأسيس علاقات مباشرة وصريحة جداً مع عدد غير قليل من الدول لا تفوقها قوة ونفوذاً وحجماً فحسب، بل أنها من أقطاب القوة العالمية العظمى، ومن الطبيعي أن تترتّب على مثل هذه العلاقات الخاصة المتعلقة بهدف حياتي ومهم للكويت (وهو الأمن) آثار سياسية واقتصادية وإستراتيجية يصعب تصوّرها وفق معادلات متكافئة في لعبة السياسة الدولية بأي حال من الأحوال.

التبريرات الإيجابية للاتفاقيات الدفاعية

من النتائج المبشرة لآثار الغزو العراقي والبيئة السياسية ـ الأمنية، التي وجدت الكويت نفسها محصورة فيها، مبادرة الحكومة إلى سلسلة من الترتيبات الدفاعية على ثلاثة محاور خارجية: خليجية، وعربية، ودولية، ويمكن فهم توجّه السياسة الخارجية للكويت على ضوء هذه الترتيبات من منظور إستراتيجي ـ سياسي ـ عسكري.

فمن المنظور الإستراتيجي يمكن القول بأن هذه الاتفاقيات الدفاعية تعتبر امتداداً لحفظ التحالف الدولي الذي قاد حرب التحرير ضد النظام العراقي، فقد انطلقت نواة هذا التحالف من مجلس التعاون بقيادة المملكة العربية السعودية، وأكملت بعده العربي كل من مصر وسوريا، في حين باشرت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا المهمة العسكرية، أما روسيا والصين فقد كفلتا نجاح المهمة السياسية المتمثلة بإضفاء صبغة الشرعية الدولية لهذا التحالف تحت قبة مجلس الأمن الدولي.

كما أن استمرار هذا التحالف الدولي بصورة ترتيبات أمنية إقليمية (مجلس التعاون الخليجي وإعلان دمشق) أو على شكل اتفاقيات ثنائية مع القوى الكبرى سوف يخلق قوة ردع أمنية ضد أية محاولة عدوانية على الكويت في المدى المنظور.

ومن المنظور السياسي تشكَل هذه الترتيبات الدفاعية قوة سياسية ضاغطة على النظام العراقي للإذعان بشرعية قرارات مجلس الآمن الدولي والجامعة العربية ومجلس التعاون فيما يخص استقلال الكويت وإقرار حدوده الدولية البرية والبحرية مع العراق (تبعاً لقرار مجلس الأمن رقم 833) وانتزاع الاعتراف الرسمي من العراق بهذا الشأن، كما تركن الكويت إلى هذه الأقطاب الحليفة كورقة سياسية مهمة في حل المشاكل العالقة بأذيال الغزو العراقي مثل قضية الرهائن والمفقودين الكويتيين في العراق، وقضية تعويضات الحرب المستحقة للحكومة الكويتية والمواطنين، وإرجاع المسروقات الكويتية، وأخيراً صد تصريحات وسائل الإعلام العراقية الاستفزازية والمعادية لدولة الكويت.

أما المنظور العسكري لهذه الترتيبات الدفاعية فتتمثل في إعداد وتطوير البنية الدفاعية للجيش الكويتي وفق برامج متكامل يغطي جوانب التأهيل البشري بفنون الحرب والقتال وبخبرات عالمية متعددة، إلى جانب تعزيز القوة المسلحة بنظم حربية متطورة وخصوصاً وسائل الإنذار المبكَر والتكنولوجيا الدقيقة القادرة على مقاومة أي تهديد عسكري من قبل قوة متفوقة من الجانب الكمي.

ومن جهة ثانية، فأن من شأن هذه الترتيبات الدفاعية وخاصة عند استكمال بناء الجيش الخليجي الموحَد واستثمار نماذج موسَع لإعلان دمشق أن تخلق نظاماً أمنياً إقليمياً قادراً على تطويق النزاعات المحدودة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، أما الاتفاقيات الثنائية مع الدول العظمى فيمكن الاستفادة منها كغطاء مكمّل لنجاح مثل هذه النظم الأمنية من خلال تزويدها بالدعم التقني والسياسي أو التدخَل المباشر في حالة الأزمات الصعبة والموسَعة.

الآثار السياسية للاتفاقات الدفاعية

ولكن وبغض النظر عن هذه الإيجابيات (سواءً من الناحية الفعلية أو حتى النظرية) إلاّ أن عقود التسلَح والاتفاقيات الدفاعية لا تخلو من تبعيات سياسية واقتصادية تلازمها طول مرحلة بقائها حيّز التنفيذ، ولا يحتاج الأمر هنا أن نسرد الكثير من المسوغات والتبريرات لتأكيد تأَثر السياسة الخارجية للدول الصغيرة بأصدقائها الكبار، ولكن الصورة قد تتضَح بشكل كبير إذا أخذنا موضوع دولة الكويت كدراسة تطبيقية في هذا الصدد.

فلو أخذنا أية معادلة بين ـ أممية والتي تقع في جانب منها الكويت وفي الجانب الأكبر دول مثل الولايات المتحدة أو روسيا أو بريطانيا أو حتى مصر والسعودية ليتبيّن بوضوح الطريق ذو الاتجاه الواحد في التأثير على الكويت بواسطة أي دولة من هذه الدول، فكيف بهذه المعادلة إذا وضعت في إحدى كفتيها الكويت ككيان صغير خرج لتوّه من تجربة قاسية وبحاجة ماسة إلى حماية عسكرية شاملة من الخارج في كفة وجميع هذه الدول الذي تعهّدت بالحماية للكويت في الكفة الأخرى، قطعاً، لا يجب أن يكون الكلام هنا عن التأثير الخارجي الذي يمارس على هذه الدولة الصغيرة كظاهرة مطلقة Absolute.

إن السؤال المهم في هذا الصدد يمكن في تقدير حجم هذا التأثير وهامش المناورة التي قد تستطيع الدبلوماسية الكويتية التحرك من خلالها بشيء من الاستقلالية، والتساؤل الآخر الذي يمكن أن يطرح هنا هو: إلى أي حد تقدر الكويت أن تحافظ على ثوابتها الوطنية والتزاماتها كدولة ذات شخصية مستقلة واحتفاظها بسمات السيادة وحرية اتخاذ القرار؟ وأخيراً ولعل الأهم من ذلك كلّه كيف يمكن لمثل هذه الدولة الصغيرة المثقلة بالالتزامات وفي عنقها دين رد العرفان أن تنسق سياستها الخارجية إذا ما تعرضّت لضغوطات متباينة ومتضادة في الاتجاه من قبل دولتين أو أكثر في وقت واحد بسبب اختلاف تلك الأطراف حول قضايا معينة؟ ويجب الإجابة على مثل هذه التساؤلات انطلاقاً من الحقيقة الثابتة بأن مسرح العلاقات الدولية يشهد على الدوام صراعات ومنافسات تغلب عليها طابع الأنانية والمصالح القومية المتناقضة، وأن النصيب الأوفر من هذه المصالح يدّر على الجانب الأقوى والأكبر في ظل هذا الصراع الحضاري العالمي.

وباختصار، يجب أن توضع السياسة الخارجية للكويت على المحك القائل: ما هو الثمن السياسي الذي سوف تدفعه الكويت (أو تكون مستعدة لدفعه) لتسديد فاتورة حمايتها الخارجية؟ ومن المؤكد أيضاً أن تكون لهذه المعادلة انعكاسات على واقع الكويت الداخلي.

إن الإجابة على مثل هذا السؤال وتفصيلاته السابقة تتطلب توضيح بعض الحوارات المحتملة والواقعية التي قد تواجهها الكويت كنتيجة طبيعية لتسلسل الأحداث التفاعلات المستمرة على المعترك الدولي، إضافة إلى استعراض بعض الأمثلة من المواضيع والمشاكل الدولية التي تركت آثاراً ملموسة على مواقف الكويت السياسية بالفعل، كما لا تخلو مثل هذه الترتيبات الدفاعية التي عقدتها الكويت مع مجموعة من القوى الإقليمية والدولية من آثار مباشرة قد تنعكس بشكل سلبي على سياسة الدولة الخارجية.

الآثار المباشرة للاتفاقيات الأمنية

من أهم التبعات المباشرة للاتفاقيات الدفاعية المتعددة العبء المالي الكبير الذي سوف تتحمله الكويت في غضون السنوات العشر القادمة على الأقل، وهي المدة الزمنية لهذه الاتفاقيات، فبالإضافة إلى التكاليف المالية التي تدفعها الكويت ثمناً لصفقات التسليح التي تعتبر من البنود الأساسية في جميع مذكرات التفاهم العسكري مع كل من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والصين (في المستقبل)، سوف تتكفَل الدولة معظم مصاريف الاستشارات والتدريب والمناورات الحربية المشتركة.

وإضافة إلى الإنفاقات العسكرية، فقد ربطت هذه الترتيبات الثنائية الكويت بعقود تجارية واستثمارية ضخمة، ففي تقرير للبنك الأمريكي للاستيراد والتصـدير (Bank U.S. Export-Import) أبرمت الكويت عدة عقود تجارية مع الشركات الأمريكية بلغت قيمتها 2 بليون دولار وذلك في أعقاب التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة (بتاريخ 19/9/1991) (صحيفة الوطن، 7/4/1993)، كما تزامنت الاتفاقية الدفاعية الكويتية ـ البريطانية (بتاريخ 11/2/1992) مع التوقيع على صفقة دبابات شالنجر Chalenger-2 بمبلغ 500 مليون جنيه إسترليني، إضافة عقد مجموعة من الصفقات التجارية البعيدة عن شؤون الدفاع كنوع من المجاملة السياسية (مجلة الطليعة الأسبوعية، 23/9/1992).

وبالمثل فقد أدَت اتفاقية الدفاع مع روسيا (بتاريخ 18/10/1993) إلى تقدّم الكويت بطلب عقد صفقة بحرية لشراء فرقاطات روسية وطلب آخر لشراء صواريخ س س 300 مضادة لصاروخ سكود، إلى جانب الاهتمام باقتناء سرب من قاذفات الميغ 21 و31 (صحيفة السياسة، 6/12/1992)، وفي المقابل عبَر السفير الفرنسي في الكويت عن استيائه بأن دولته لم تحض بمثل هذه الامتيازات العسكرية كما أن حصتها في السوق الكويتية لا تزال ضئيلة (6%) وذلك في إشارة واضحة إلى ضرورة الاهتمام بالجانب الاقتصادي عند التقارب الدفاعي (صحيفة الوطن، 8/3/1994).

وأن مثل هذه الصفقات رغم أهميتها قد لا تكون في بعض الأحيان قائمة على مقاييس موضوعية تلبية لحاجة فعلية لدى الكويت وإنما بسبب اعتبارات سياسية ومجاملاتية صرفة، الأمر الذي يؤدي إلى تبذير بلا مبرر للأموال، فعلى سبيل المثال عندما بدأت التقارير الإستراتيجية تقلّل من أهمية نظام “الباتريوت” الأمريكي، وبعدما بدأ الكونغرس الأمريكي في التحقيق بموضوع دقة هذا السلاح وفاعليته أثناء حرب الخليج (صحيفة الوطن، 7/4/1993)، بادرت الكويت إلى عقد صفقة لشراء مجموعة من هذه الصواريخ الباتريوت بقيمة 200 مليون دولار.

وعلى صعيد التكاليف المالية للترتيبات الدفاعية أيضاً نرى بأن إعلان دمشق يحمَل الطرف الخليجي التزامات مادية كبيرة، فإعلان دمشق كمشروع تكاملي عربي يقضي بتوفير الحماية الأمنية لدول الخليج في مقابل تقديم هذه الدول دعماً اقتصادياً مهماً لكل من مصر وسوريا (فودة، 1991، ص 180-193)، فحين التوقيع على هذا الإعلان (بتاريخ 6/3/1991) تم الاتفاق على تخصيص مبلغ ‍10 بليون دولار من دول الخليج لهاتين الشقيقتين العربيتين، إلاّ أن هذا المبلغ قد قلّص فيما بعد إلى 6 بليون دولار، ورغم هذه الأعباء المالية فلا يعدو إعلان دمشق كونه مجرد تكرار لمشاريع عربية ديكورية سابقة سرعان ما يصيبه عدوى التحنّط، وخصوصاً في ظل وجود مظلة الحماية للدول الكبرى، ولعل أطراف الإعلان أنفسهم قد أكدوا هذه الحقيقة سريعاً، فقد صوّر وزير خارجية مصر إعلان دمشق بأنه يترنًح في حين قال وزير الخارجية السوري بأنه قد ووري الثرى (صحيفة الرأي العام، 12/6/1993).

ونتيجة لمجمل هذه الالتزامات المادية فقد بادرت الكويت إلى تخصيص ميزانية دفاع ضخمة للمدة المتبقية من هذا العقد بلغت 3.5 بليون دينار كويتي (أي ما يعادل 11.5 بليون دولار)، وقد تعرّضت الحكومة بسبب هذه الميزانية لانتقادات كبيرة من قبل البرلمان، ولم يقرها المجلس إلاّ بصعوبة بالغة وبأغلبية هامشية ضئيلة (صحيفة الوطن، 23/3/1994).

وإضافة إلى هذه الأعباء المالية الجديدة الضخمة فأن الوضع الاقتصادي في الكويت يعاني من معضلات جمة هي حصيلة الغزو العراقي، فقد تراجعت احتياطات الدولة (التي تشكَل 10% من عوائد النفط) من 100 بليون دولار إلى حدود تقديرية تتراوح ما بين 15 إلى 40 مليار، بعدما دفعت الكويت 60% من ثروتها المستقبلية ثمناً لاستعادة أراضيها كمصاريف لحرب التحرير (جاء ذلك في تصريح لرئيس اللجنة المالية في مجلس الأمة، النائب إسماعيل الشطي، صحيفة الوطن، 5/8/1993)، وعلى الرغم من عدم توفر الرقم الدقيق لتكاليف إعادة الأعمار فقد قدرت بعض الدراسات خسارة البنية الأساسية للكويت من جرَاء الاحتلال بـ 90 بليون دولار، وهذا ما دفع الكويت إلى اقتراض مبلغ كبير (11 بليون دولار) لأول مرة في تاريخها منها: 5.5 بليون من الدول الصناعية مباشرة حسب تصريح محافظ البنك المركزي الكويتي (صحيفة الرأي العام، 22/2/1994)، ونكاد لا تخلو سياسة الاستقراض بدلاً من تسييل الموجودات العينية في الخارج من أبعاد سياسية حيث أن معظم أرصدة الكويت مستثمر في الدول الغربية وقد يؤدي سحبها إلى إرباك القطاعات الاقتصادية المستفيدة منها في تلك الدول.

أن من شأن هذه الالتزامات المالية الكبيرة أن تقلّص من قوة الدبلوماسية الكويتية التي اشتهرت بها طوال العقود الثلاثة الماضية، والمتمثلة بالمساعدات الخارجية، ولا تسمح لها إمكانياتها الحالية من مواصلة هذا الدور أو في أحسن الأحوال تقلصه إلى حد كبير.

ومن جهة أخرى، فمن شأن الآثار المالية المترتبة على هذه الترتيبات أن تزيد من درجة الانكشاف الاقتصادي الكويتي للغرب خصوصاً وما قد يتبع ذلك من علامات التبعية السياسية، فالعلاقات النفطية ما تزال قائمة والنفط العربي لا يزال يحتل 61% (حصة الكويت منها 96 بليون برميل أي ما يعادل 10% من الاحتياطي النفطي العالمي) من مجمل احتياطي النفط العالمي (صحيفة الوطن، 14/5/1993)، وقد أتاحت وضعية عدم الاستقرار وحاجة الدول النفطية في الخليج، وخصوصاً الكويت إلى الحماية الأجنبية، فرصة للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لاستغلال الوضع لصالح الحفاظ على سعر متدن للنفط الخام وإعلان ضريبة الطاقة على الدول المنتجة بشكل غريب: حيث أن المستهلك هو الذي يجب أن يدفع ضريبة الشراء كما أن النفط أقل ضرراً من الفحم في التسبَب بتلوَت البيئة.

وأخيراً وليس آخراً، فأن تطبيق نظام “الأوفست” وهو إعادة استثمار نسب من الصفقات التسليحية في دول الخليج، ومنها الكويت، سوف يعزّز من نفوذ وانتشار الشركات الغربية في المنطقة ويسمح لها الدخول كشريك في الأسواق المحلية، ومن شأن جميع هذه الأسباب الاقتصادية مجتمعة تفويت الفرصة أمام الكويت وغيرها من دول الخليج لاستغلال أسواق ومشاريع استثمارية جديدة في مناطق حيوية من العالم كدول شرق آسيا وجمهوريات الإتحاد السوفيتي المنحل تتمتَع فيها اقتصاديات هذه الدول بمنافسة حقيقية، وبالطبع فأن مجمل هذه الضغوطات سوف تقود إلى زيادة اعتماد دول صغيرة كالكويت على الدول الغربية، الأمر الذي يعني تنامي انكشافها السياسي في المستقبل إذا ما استمرت الأمور وفق هذا المسار، وبمعنى آخر، فأن البدائل المتاحة أمام صناع القرار الخارجي سوف تتقلّص أكثر فأكثر الأمر الذي يضعف فرص الاستقلالية في الموقف السياسي المحدودة أساساً.

السياسة الخارجية وورطة الاتفاقيات الأمنية

أن المشكلة الأساسية التي ستواجهها الكويت في رسم سياستها الخارجية المستقبلية تكمن في محاولة استقطابها من قبل شركاء الاتفاقيات والترتيبات الأمنية كورقة رابحة في تحقيق مصالحها الخاصة وإن كان ذلك على حساب هذه الدولة الصغيرة واستقرارها خارجياً أو داخلياً.

ومن أجل التنبؤ ببعض اتجاهات السياسة الخارجية للكويت ينبغي أن نتصوَر بعض الحوارات أو السيناريوهات Scenarios التي تكون الكويت طرفاً مباشراً أو غير مباشر فيها.

وفي الحقيقة هناك حواران رئيسيان ضاغطان على السياسة الخارجية الكويتية في المستقبل: الحوار الأول يرسم صورة تعارض بعض المصالح المشتركة للدول الحليفة وتبعاً لذلك سياستها الخارجية مع أولويات ومبادئ السياسة الخارجية للكويت؛ والحوار الثاني: ويتمثل في احتمال تضارب المصالح القومية الضيقة بين الدول الحليفة نفسها وانعكاسات ذلك على الموقف الكويتي ورد فعل سياستها الخارجية إزاء ذلك، وفي كلتا الحالتين فأن الأرضية التي سوف تنعكس عليها هذه الاختلافات واسعة النطاق ومتنوعة النماذج، بعضها قائم والبعض الآخر قد يبرز في مراحل زمنية قادمة.

الحوار الأول: الاتفاق العام ضد مبادئ السياسة الخارجية للكويت

ويمثل هذا الحوار المواقف التي تنسجم فيها إدارة الدول الكبرى ولكنها لا تتفّق مع الأولويات أو الركائز التقليدية في سياسة الخارجية للكويت، ومن الأمثلة الواقعية في هذا الشأن ما يلي:

أولاً: مشروع غزة ـ أريحا

ولعل هذه القضية من أبرز القضايا التي كشفت عن تغيّر مسار السياسة الخارجية للكويت في مرحلة ما بعد الغزو العراقي، فقد كانت الكويت من الدول السباقة إلى تأييد هذه المبادرة ومباركتها فور توقيع منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية على مشروع “خيار غزة ـ أريحا أولاً” في البيت الأبيض الأمريكي بتاريخ 13 سبتمبر 1993، وبغض النظر عن إمكانية نجاح هذا المشروع ورغم حالة القطيعة التامة بين الكويت والأطراف الرئيسية في الاتفاقية (إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية)، إلاّ التأييد الكويتي جاء فورياً ودون تحفّظ.

وقد تجسّد في هذا الموقف انعكاس واضح لضغوط الدول الغربية على الكويت في تغيير مواقفها المبدئية من الصراع العربي ـ الإسرائيلي واتخاذ الإجماع العربي خط سير لها بخصوص هذه المشكلة وسبل حلها السلمي، فقد أعلنت الكويت على لسان وزير خارجيتها موافقتها على المساهمة في تمويل مشروع إقامة سلطة سياسية بقيادة ياسر عرفات في غزة وأريحا، كما أدّت ضغوط أمريكية وأوربية مصرية مشابهة إلى رفع بعض صور المقاطعة الاقتصادية عن إسرائيل بعد التوقيع على مشروع الصلح مباشرة، وفي الوقت الذي نفى فيه الشيخ صباح الأحمد النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية ـ تعرّض الكويت لمثل هذه الضغوط، فقد رفعت الحكومة الكويتية معظم حالات أحكام القانون رقم 21 لسنة 1964 بشأن القانون الموّحد لمقاطعة إسرائيل والمبادئ العامة لحظر التعامل المباشر وغير المباشر مع الكيان الصهيوني والواردة في 32 حالة، واكتفت باستمرار منع التعامل مع دولة إسرائيل مباشرة (صحيفة الوطن، 30/10/1993)، ولا شك بأن مثل هذا الإجراء سوف يفقد الموقف العربي ورقة سياسية مربحة في مفاوضات التسوية الشاملة الجارية مع الدولة اليهودية.

ثانياً: مشكلة البوسنة والهرسك

وتعكس أزمة البوسنة والهرسك البعد الإسلامي في السياسة الخارجية للكويت، وهنا لا نتكلم عن دور الكويت السياسي والإعلامي في تأييد المسلمين في هذه الجمهورية الإسلامية طوال فترة الحصار والحرب التي تعرضت له من قبل الصرب وحلفائهم في أوربا، ولكن وبمجرد بلوغ الهدف الذي أرادته أوربا والولايات المتحدة وروسيا في منع قيام دولة ذات هوية إسلامية في أوربا فقد تبنّت السياسة الخارجية الكويتية هذا الاتجاه، فقد سارعت الكويت إلى تأييد أطروحة الفيدرالية بين البوسنيين والمسلمين والكروات وربما الصرب مستقبلاً لإقامة دولة لا تحمل هويتها العقائدية رغم كون غالبيتها من المسلمين.

ثالثاً: تطبيع العلاقات مع العراق

على الرغم من بقاء وثبات موقف الدول الحليفة القوى ضد العراق إلاّ أن مسألة تطبيع العلاقات مع النظام العراقي الحالي وارد جداً، ومن أهم مستجدات العلاقة بين دول التحالف والنظام العراقي تغيّر مفردات الخطاب السياسي لهذه الدول من الدعوة إلى الإطاحة بصدام حسين ونظام حكمه إلى الاكتفاء باحترام ذلك النظام بالقانون الدولي كشرط لعودته إلى المجتمع العالمي، كما بدأت بعض الدول الغربية بالاتصال بالحكومة العراقية من أجل عقد اتفاقيات نفطية معها، وكانت كبريات شركات النفط الفرنسية (الف أكيتين وتوتال) والبريطانية (بريتيش بتروليوم) والأمريكية (إكسون وشل) في مقدمة المتنافسين على الفوز بامتيازات نفطية في حقلي مجنون وعمر حسب ما أورد تقرير Middle East Economic Survey (صحيفة الوطن، 22/2/1994)، كما تقوم عدة شركات من نفس هذه الدول بزيارات دورية للعراق للفوز بصفقات تجارية ومشاريع التعمير والصيانة رغم استمرار فرض الحصار الاقتصادي على العراق (صحيفة الرأي العام، 23/12/1994)، كما قامت عدة دول من الدول الحليفة بالدعوة الصريحة المتكررة لتخفيف العقوبات عن النظام العراقي حتى قبل إقراره بالتزاماته تجاه قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحرب تحرير الكويت، وفي مقدمة هذه الدول تأتي روسيا وفرنسا وألمانيا وإضافة إلى تركيا والباكستان.

وهنا نلاحظ مرة أخرى التضارب الواضح بين مصلحة الكويت المباشرة وإستراتيجية الدول الحليفة لها إزاء المسألة العراقية، فبينما تحرص الكويت على تضييق الخناق على العراق وإضعافه أكثر وأكثر كتمهيد لإسقاط النظام بدأت الدول الغربية بالتنازل عن كثير من مواقفها السابقة تجاه العراق، وهذا ما أدى إلى ليونة الموقف الكويتي نفسه، وبدأت التصريحات الرسمية للكويت تكتفي بانتزاع اعتراف عراقي على مستوى سياسي عال بوجودها وحدودها.

رابعاً: دول الضد

ولا يختلف الحال في مواقف الكويت من دول الضد وهي الدول العربية التي أيدّت وساندت العراق بعد غزوه للكويت وهي بالتحديد الأردن، واليمن، والسودان، وتونس، والجزائر، ومنظمة التحرير الفلسطينية، فمعظم هذه الحكومات لا تزال تحتفظ بعلاقات طبيعية مع الدول الكبرى وأقطاب إعلان دمشق الحليفة للكويت، بل أن منظمة التحرير الفلسطينية قد كسبت اعترافاً ودعماً من قبل الولايات المتحدة، ومؤخراً، بدأت بعض ملامح الانفراج تدور في الأفق بين هذه الدول ودول مجلس التعاون مثل زيارة الملك حسين لكل من قطر والسعودية وزيارة عرفات للسعودية والإمارات، وإزاء مثل هذه التحولات قد تجد الكويت نفسها وحيدة في مواجهة هذه الدول، ولهذا فقد بدأت الكويت مؤخراً في إعادة التفكير بمواقفها مع هذه الأطراف والتنازل عن بعض مواقفها الأساسية مثل ضرورة تقديم دول الضد الاعتذار للكويت بسبب مواقفها السلبية السابقة.

الحوار الثاني: تعارض مصالح أطراف الاتفاقيات الأمنية وتنافسها على استقطاب الكويت

ويتمثل هذا الحوار في احتمال تضارب المصالح القومية الضيقة بين الدول الحليفة وموقف الكويت إزائها، ونقاط الاختلاف هنا كثيرة ومتنوعة أيضاً منها على سبيل المثال لا الحصر الخلافات السورية الأمريكية حول السلام في الشرق الأوسط، الخلافات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوربا في ظل التنافس العالمي الجيو ـ اقتصادي، النزاع البريطاني الصيني حول مستعمرة هونغ كونغ، المسائل السياسية بين الولايات المتحدة والصين حول حقوق الإنسان.

وحتى على مستوى إعلان دمشق لا تخلوا أطراف هذا التنظيم من اختلافات في وجهات النظر بسبب الأولوية والتنسيق والتكاليف المادية، بل أن دول الخليج نفسها تعاني من مشاكل بينية ونزاعات حدودية وتباين في الرؤى الاقتصادية، وبالتأكيد فأن مثل هذه المواقف المتناقضة سوف تتداخل فيها الضغوط على الكويت وقد يكون من المشاكل عليها التنسيق بين كل هذه الضغوطات وإرضاء جميع أطرافها.

هذا على صعيد المشاكل الخاصة، بل أن الأمر يزداد تعقيداً عندما تتباين مواقف هذه الدول بشكل جدي حول موضوع محدّد وفي غاية الأهمية والحساسية، ولعل موضوع أمن الخليج يعتبر من أبرز القضايا أهمية للكويت ليس فقط بسبب ارتباطها المباشر بأمنها ووجودها، بل والأكثر من ذلك التقاطع الحاد في مواقف أطراف الترتيبات الأمنية بشأنها، فمفهوم الأمن وأدوات تحقيقه ومصادر تهديده يختلف بشكل كبير تبعاً لمنظور كل دائرة من دوائر الترتيبات الدفاعية الثلاثة، كما تتفاوت درجات الفهم بين أطراف كل من الترتيبات نفسها، ففي إعلان دمشق مثلاً، تختلف رؤية كل من سوريا ومصر تجاه إيران، فبينما ترى سوريا في إيران ركناً سياسياً مهماً في منطقة الشرق الأوسط وحليفاً قوياً لقضايا العرب المصيرية، تعتبرها مصر مصدراً للإرهاب وعدم الاستقرار في المنطقة.

كما تتدرّج مواقف دول مجلس التعاون ذاتها تجاه كل من إيران وحتى العراق، ففي حين تتمتّع قطر بعلاقات قوية مع إيران وتسعى لتطبيع علاقاتها بالكامل مع العراق، فأن العلاقات السعودية ـ الإيرانية تتراوح ما بين المد والجزر والتوتر والاسترخاء، وفي نفس الوقت لا يمكن التكهّن بطبيعة العلاقات القائمة بين الدولتين القويتين والمستبعدتين من كافة الترتيبات الأمنية في الخليج.

وزيادة على ذلك فأن للولايات المتحدة مفهومها الخاص عن الأمن في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، ويستند المنظور الأمني الإستراتيجي للإدارة الأمريكية الحالية في هذا الإقليم ـ كما حدّدها مارتن أنديك، مدير شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، في ندوة أقامها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تحت عنوان: “تحديات المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط: عقبات وفرص” ـ على ثلاثة ركائز أساسية هي: تحييد كل من إيران والعراق وإبعادهما عن تحقيق أي توازن إقليمي، والتصدي بقوة للمد الإسلامي الأصولي، وربط أمن الخليج بحل النزاع العربي الإسرائيلي (مجلة الطليعة الأسبوعية، العدد 1098، 26/5-1/6/1993)، وهنا نرى كيفية تأثير الولايات المتحدة وفرضها لمعادلات الأمن والاستقرار حسب منظورها التكتيكي المتقلّب، فحتى قبيل اندلاع أزمة الاحتلال العراقي للكويت كانت الولايات المتحدة تفصل بين مفهوم الاستقرار الأمني في منطقة الخليج من جهة، وحل القضية الفلسطينية من جهة أخرى، ولكن سرعان ما عادت واشنطن لتدمج الإقليمين في منظور أمني مشترك رغم وجود بدايات انفراج على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، ولعل أحداث الغزو واستقطاب دول الخليج العربية بعد عاصفة الصحراء هي حلقة الوصل التي ترتئي الولايات المتحدة استثمارها كدعامة سياسية واقتصادية لضمان استمرار ونجاح مشروع السلام العربي الإسرائيلي.

ووفق هذه الإستراتيجية الجديدة فأن الولايات المتحدة تتبنى سياسة الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعـراق كمظلة لتحقيق الأمن في الخليج، وتدخل هذه الإستراتيجية في صلب العقلية الأمريكية للسلام Pax Americanism Mentality كما يعبّر كيه جونير (Kieh, Jr.، 1992، ص 12)، والتي تقضي بسحق أية حركة مناهضة للولايات المتحدة تمهيداً لفرض الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على منطقة الخليج برمتها، وذلك لمواجهة صعوباتها الاقتصادية في الداخل حيث يبلغ العجز القومي ثلاثة آلاف بليون دولار.

وتكمن الخطورة في مثل هذه الحالة في احتمال نشوب مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قد يستطيع حلفاء الناتو التملّص من إقحام نفسها في مثل هذه المخاطر، خاصة أن بريطانيا وفرنسا لا تتفقان مع واشنطن في ما يعرف بنظرية الاحتواء المزدوج، عندئذٍ سيكون الموقف حرجاً للغاية إذا ما طلبت واشنطن أية تسهيلات عسكرية من دول الخليج، والكويت هي الدولة الواقعة في فوهة المدفع نظراً لموقعها الجغرافي من جهة، وعلاقتها الدفاعية مع الولايات المتحدة من جهة أخرى.

انعكاسات السياسية الخارجية على الوضع الداخلي

تعتبر عملية صناعة السياسة الخارجية من اختصاص السلطة التنفيذية ولكن السلطة التشريعية تتمتع بدور ثانوي ولكنه مهم في توجيه السياسة الخارجية، وقواعد اللعبة السياسية في الكويت تبيّن قدرة المجلس عندما تتحالف مع الصحافة وجماعات الضغط للتأثير على التوجه الخارجي للحكومة، وهناك أمثلة كثيرة خلال التجربة الديمقراطية تعكس نفوذ مجلس الأمة المنتخب في تقييد سلطة الحكومة فيما يخص الشؤون الخارجية، فقد كان لمجلس الأمة الدور الأساسي في تعديل حصة الكويت في المشاركات النفطية مع الشركات البريطانية مع مطلع السبعينيات، ونجح المجلس أيضاً في تأميم الشركات النفطية بالكامل بعد ذلك، كما نجح المجلس ورغم الظروف الأمنية الصعبة التي كانت تحيط بالمنطقة خلال عقد الثمانينيات من منع الحكومة من توقيع اتفاقيات أمنية للتعاون في مجال المعلومات وتبادل المشبوهين مع دول الخليج العربية وخاصة السعودية وذلك في عام 1986، كما كان لمجلس الأمة دور بارز في وقف المساعدات عن دول المواجهة مع إسرائيل في بداية الثمانينيات، ولعب تيار التجار والقوميون في البرلمان دوراً بارزاً في الضغط على الحكومة لمناصرة العراق خلال حربه ضد إيران وتقديم كافة أشكال الدعم الاقتصادي والعسكري له (أسيري، 1993، ص 381-387).

وبالتالي يمكن اعتبار المجلس عاملاً مهماً في معادلة السياسة الخارجية للكويت ولاسيما في تعاملها مع قضايا أمنية حساسة، وفي السياسة الخارجية عموماً، ويعتبر المجلس الحالي من أقوى وأعقد المجالس البرلمانية من ناحية الكفاءات المثقفة وتمثيل مختلف القوى السياسية في الكويت، كما يعتبر التيار الإسلامي من أقوى هذه الجماعات وأكثرها تمثيلاً في المجلس الحالي المنتخب (عام 1992).

ورغم الحالة الأمنية التي تجمع جميع النخب تقريباً في قبول التعامل مع الغرب وترجيح كفتها على الحلول العربية والخليجية، إلاّ أن هذا الالتقاء قد لا يدوم إلى الأبد، كما إن النقد للولايات المتحدة وحلفائها والشكوك في مصداقية الحلفاء بدأت تكسب أرضية، ربما لا تزال في بدايتها، خصوصاً بعد بقاء نظام صدام حسين في السلطة في بغداد.

كما بدأت أصوات المعارضة تظهر في الأفق في المجلس الحالي، فقد ظهرت الانتقادات على مشروع غزة ـ أريحا مساهمة الحكومة في تدشين البنية الأساسية لكيان فلسطيني، ووقوف المجلس ضد إعادة العلاقات مع دول الضد، والضجة التي أثارها المجلس ضد الميزانية المخصصة للدفاع رغم تمريرها بنجاح، ويمكن اعتبار جميع هذه المواقف إشارات خجولة وغير مباشرة موجهة ضد الولايات المتحدة والدول الحليفة ولكنها قد تأخذ بعداً أكثر جرأة في المستقبل سيما بعد الخروج من المشاكل الداخلية التي تعاني منها الكويت، وفي مثل هذه الحالة قد تأخذ الدول المعنية بالنقد مواقف سياسية وإجراءات متقابلة من شأنها أن تغير طبيعة العلاقات الثنائية مع الكويت بشكل مهم، كما أن الحكومة قد تتّخذ إجراءاتها الدستورية في كبح جماح المجلس من خلال حله الأمر الذي يعرّض البلاد لأزمة سياسية داخلية.

ملاحظات ختامية

لا تعني كثرة القيود والالتزامات الأمنية مع الكويت وضع نهاية لحدود استقلالية القرار أو وجود هوامش من المناورة الدبلوماسية لهذه الدولة الصغيرة تمكّنها من إيجاد حلول وسط ومقبولة لدى مختلف الشركاء السياسيين لمشاكلها الأمنية، وفيما يلي نقدّم طائفة من التوصيات لصنّاع القرار السياسي والقوى الفاعلة على الساحة الكويتية أملاً في التحرّر من بعض قيود الضغوطات الخارجية على هذه الدولة الصغيرة.

أولاً: الخروج من سياسة العزلة التي فرضتها عقدة الغزو العراقي

ويجب أن تفهم الكويت بأن الوضع الدولي المعاصر يتطلّب حركة من النشاط والعلاقات الديناميكية، وهذا ما يتطلّب بناء رؤية إستراتيجية كاملة للتعامل مع القضايا الدولية، وفي مقدمتها قضايا الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي، ومن المؤكّد أن تخضع مثل هذه الإستراتيجية الشاملة في دولة دستورية وديمقراطية لعملية تنسيق حقيقية بين السلطات الدستورية سيما مجلس الأمة، آخذاً بعين الاعتبار الإرادة الشعبية وتوجيهات القوى السياسية، فمثل هذه المصادر الوطنية هي الكفيلة بإنجاح أية جهود جماعية ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة في هذا البلد.

ثانياً: استثمار الترتيبات الدفاعية

استثمار الترتيبات الدفاعية المختلفة وفق منظور المصالح المشتركة مع أطرافها من أجل بناء قوة دفاعية ذاتية تكون الحجر الأساسي في ضمان حدودها، ولا شك بأن الرصيد الضخم من ميزانية الدفاع الحالية قادر على تطوير العنصر البشري في الجيش الكويتي، تعويض جانب النقص في الكم بالتكنولوجيا الحديثة، كما يمكن إسناد البنية العسكرية من خلال غربلة نظام التجنيد الإلزامي وإعداد خطط للطوارئ تكون للقاعدة الشعبية دور فيها، فمثل هذه الإستراتيجية كفيلة بتحقيق مستوى معيّن من الردع يكون قابلاً للتطوير في المستقبل.

ثالثاً: التدّرج في مستويات السياسة الخارجية

يجب أن لا تقفز الكويت إلى دائرة السياسة العالمية مباشرة، وإنما من خلال دوائرها الإقليمية وخصوصاً الخليجية والعربية والعالم ثالثية، فانطلاقها من هذه الدوائر الصغيرة أولاً يكفل لتصوراتها ومفاهيمها الخاصة قدراً كبيراً من الاحترام والمصداقية، كما أن دخولها إلى دائرة السياسة العالمية الكبرى برؤية مشتركة مع دول أقرب إلى مستواها السياسي والاقتصادي يكفل لها مظلة مهما كانت محدودة إلاّ أنها تكون أفضل من وجودها المنفرد بين عمالقة الكون.

رابعاً: التكامل الخليجي

يجب أن تنطلق الكويت وبقية دول الخليج الصغيرة في تعاملها مع العالم الخارجي من حتمية الصراع الحضاري العالمي القادم، والمتمثل بالتنافس الجيو ـ إقتصادي بين تكتلات إقليمية آخذة في التوسع والانتشار، وقد بدأت الدول الكبرى نفسها في المضي نحو تأسيس قواعد الترتيبات عبر القومية وخصوصاً على محاور الاندماج الاقتصادي، ويعتبر إقليم الخليج القاعدة الأولى والطبيعية لمثل هذا الانطلاق نظراً لتجانس الرؤية والتركيبة الجيو ـ سياسية بين شعوبها، ناهيك عن تشابه هيكليتها الاقتصادية وطبيعة التحديات العاصفة من حولها، ومن هذا المنطلق تكون أطروحة الإتحاد الكونفدرالي بمثابة الوصفة العاجلة لهذه الدول، وتملك الكويت بالذات قوة دفع نشطة ومهمة في تغذية هذا الروح الوحدوي بسبب خبرتها السياسية وفعاليتها المتميزة إقليمياً ودولياً كتجربة دامت لأكثر من قرنيين من الزمان.

خامساً: استئناف آلية المساعدات الخارجية

فقد كانت المساعدات الخارجية بمثابة الجناح المتمّم لسياسة التوازن الخارجي للكويت طوال عهد الاستقلال، وسجّلت انتصاراً سياسياً لهذه الدولة أبان الغزو العراقي حيث حشدت الكويت أضخم تأييد دبلوماسي عالمي في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة، ورغم الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها الكويت، إلاّ أنه يجب أن لا تتغافل عن دور المساعدات الخارجية كركيزة أساسية في سياستها مع الخارج، ويمكن للكويت أن تتصدى لبناء منظومة جديدة لفكرة المساعدات الخارجية وتوجيهها ضمن منظور مشترك يعكس سياسة خارجية خليجية مشتركة، ويربطها بأولويات الأمن والاستقرار في المنطقة.

سادساً: الأمن الخليجي

يمكن أن تساهم الدبلوماسية الكويتية في إيجاد شكل مقبول من أشكال التوازن في علاقات الدولة الإقليمية كخطوة أولى في طريق تحقيق سياسة التوازنات العالمية في منطقة الخليج، وعلى الرغم من صعوبة ودقة مثل هذه السياسة بسبب التباين الواضح في مصالح الدولة الإقليمية والدولية في هذه المنطقة، إلاّ أنها واحدة من المنافذ المحدودة لضمان أمن الكويت ومصالحه العليا، ومن خلال التنسيق مع الدول الخليجية الصغرى مثل قطر والبحرين والإمارات وعمان يمكن للكويت أن تكون حلقة الوصل في تحقيق توازن بين كل من السعودية وإيران والتحالف الغربي، بل يمكن لهذه الدول أن تعمل على تقليص الهوة الخلافية بين هذه القوى الكبيرة، وفي أعقاب الغزو العراقي للكويت وموقف إيران المبدئي من هذا الحدث تعزّزت أرضية الترحيب بإيران كطرف مباشر في وضع ترتيب أمني إقليمي، وقد وجدت هذه الأرضية قبولاً مهماً في عواصم خليجية متعددة مثل الدوحة وأبو ظبي ومسقط، كما لاقت تأييداً من قبل بعض أقطاب أوربا كبريطانيا وفرنسا، بل تفكّر إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بصورة جدية الاتصال مع طهران والحوار معها بخصوص مسائل الشرق الأوسط والخليج.

كما تحتل إيران كدولة جوار قوية ومسالمة، مع الكويت على الأقل، موقعاً متميزاً لهذه الدولة يمكن استثماره كصمام أمان ضد التهديدات العراقية المباشرة على الكويت، فظروف إيران الاقتصادية وما تتمتّع به من بنية أساسية قوية في الصناعات المتوسطة والثقيلة واليد العاملة الفنية يمكن استثمارها بشكل حقيقي وإيجابي في إيجاد صديق كبير أو حتى حليف إستراتيجي قوي يمكن الركن إليه في إقليم تعتبر مصادر التهديد فيه محدودة ومعروفة.

سابعاً: دبلوماسية الدول الصغيرة

وتهتم هذه الدبلوماسية بضرورة بلورة مفهوم جديد للأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط من خلال ترتيب إقليمي مشابه لمؤتمر الأمن والسلام الأوربي يسعى إلى ضمان حق الدول الصغيرة في البقاء والتعايش السلمي، ويتمتّع بآلية الردع الجماعي ضد الخارجين عن هذا القانون، ويمكن للكويت أن تتصدى لحمل راية الدبلوماسية الناشطة في هذا الصدد والبدء بتعريفها والترويج لها كمبادرة عالمية جديدة تعرف بـ “دبلوماسية الدول الصغيرة”.

ثامناً: العلاقات الدولية مع الدول العظمى

لا شك بأن التعامل والتعاون مع القوى العظمى في العالم أمر حتمي وضروري، وقد بيّنت الأحداث القريبة بأن المخرج الوحيد من الأزمات الخانقة قد يتجاوز إرادة هذه الدول ووجودها الفعلي في دائرة الأحداث، ومن المؤكد أيضاً بأن هذه الدول لا تقدم خدمات مجانية، بل تتوقع المكافئة في المقابل، وفي مثل هذه الحالة لا تملك الدول الصغيرة مثل الكويت سوى المساومة على الثمن السياسي الذي سوف تدفعه مقابل خدمات هذه الدول الكبرى، ومما يزيد هامش المناورة للطرف الصغير في مثل هذه الحالة تعدّد هذه الأقطاب وتقاربها في مستويات القوة والإمكانيات التكنولوجية والاقتصادية، كما تملك الدول الصغيرة القدرة، ولو بدرجات متفاوتة، على إقناع الأطراف القوية بأن استمرار حيادها وارتباطها بعلاقات متنوعة وإيجابية مع منافسيها يمثّل فائدة لهذه الدول نفسها، فالدبلوماسية كما يقال أفضل من البطولة والأفكار الداهية أفضل من الجيوش.

———————————————————————————————————————

المصادر

المصادر العربية

أحمد أبو حاكمة (1984). تاريخ الكويت الحديث: 1750-1965. الكويت: دار السلاسل للطبع والنشر والتوزيع.

إسماعيل صبري مقلد (1984). العلاقات السياسية الدولية دراسة في الأصول والنظريات. الكويت: مطبوعات جامعة الكويت.

حسن علي الإبراهيم (1982). الدول الصغيرة والنظام الدولي. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.

حسين خلف الشيخ خزعل (1962). تاريخ الكويت السياسي (الجزء الثاني). الناشر: غير معروف.

روبرت د. كانتور (1989). السياسة الدولية المعاصرة. (ترجمة: أحمد ظاهر). عمّان: مركز الكتب الأردني.

عبدالرضا علي أسيرى (1993). الكويت في السياسة الدولية المعاصرة: إنجازات.. اخفاقات.. وتحديات. الكويت: مطابع القبس التجارية.

عثمان عبدالملك الصالح (1989). النظام الدستوري والمؤسسات السياسية في الكويت. الكويت: مطابع كويت تايمز التجارية.

محمد رضا فودة (1991). الأمن القومي للخليج العربي. باريس: الصلاح للدراسات السياسية والإنتاج الإعلامي.

نظام بركات، عثمان الروّاف، محمد الحلوة (1989). مبادئ علم السياسة. عمّان: دار الكرمل للنشر والتوزيع.

المصادر الأجنبية

Brady, Linda (1978). “The Situation and Foreign Policy”. In Maurice East, Stephen Salmore, Charles Hermann. Why Nations Act: Theretical Perspectives For Comparative Foreign Policy Studies (pp. 173-209). Beverly Hills & London: Sage Publications.

Kieh, Jr., George (Winter, 1992). “Western Imperialism in the Middle East: The case of the United States’ Military Intervention in the Persian Gulf”. Arab Studies Quarterly, Vol. 14 No. 1.

Morganthau, Hans (1978). Politics Among Nations: The Struggle For Power and Peace. (5th ed. rev.). New York: Alfred A. Knopf, Inc.

Rourke, John (1991). International Politics on the World Stage. Guil-ford, CN: The Dushkin Publishing Group, Inc.